آخر تحديث: 25 / 10 / 2020م - 5:01 م

بحر ثورة

أحمد المحيسن

مدخل

المكان: كربلاء

والزمان: سنة 61 هـ

والحدث: إستشهاد الإمام الحسين وأهل بيته وأصحابه، وسبي نسائه إلى الكوفة ومنها إلى الشام.

بحر ثورة

أيام قليلة ويرتدي محبو أهل البييت ثياب الحزن، وترفع لوحات العزاء والأسى حزنا وتعظيما ومواساةً لماحدث في واقعة كربلاء.

أيام قليلة وتبدأ المنابر الحسينية في إحياء الأمر، ومراجعة ذكرى عاشوراء كي نستلهم منها الجديد المفيد، ونُرسّخ الإيمان ونُجهش العواطف في قلوبنا وجوارحنا، ونتفكر بعقولنا ونعيد الكرّة في أدق تفاصيل ماحدث في هذه الواقعة المفجعة.

أيام قليلة ويبدأ شهر محرم وكلنا أمل لإستلهام العبر الجديدة من بحر هذه الثورة التي لاينضب، ولتجديد وتأكيد العهد والولاء مرددين وبأعلى الأصوات هاتفين «لبيك يا حسين»!

نسمع خطب ودرر كلام السادة المشائخ الفضلاء في نعي سيد الشهداء خلال عشرة أيام، ثلاثة عشر يوما، لا بل شهرا كاملا، ولكن ماسمعناه واصغينا إليه خلال هذه الفترة الوجيزة كفيل بأن يصحح لنا مسار الكثير من الأخطاء وكفيل أيضا بأن يلهمنا القوة في مواجهة التحديات الجديدة.

قد أخطأ عندما أشبه عاشوراء بالبحر المتلاطمة أمواجه كون مياه البحر ملحا أجاجا بينا، حديث الشهادة والكرامة لأهو أعذب من الشهد، وحتما لايجتمع الأجاج الغير مستساغ بالشهد. ولكن.. نعم عاشوراء الثورة تشبه بالبحر في كونه مليئا بالصدف المكنونة والجواهر الثمينة، فكذلك هي عاشوراء بما فيها من الحكم والعبر لأشبه بذلك البحر والخطيب البارع المفوه هو من يلتقط تلك الجواهر القيمة كما الصياد البارع تماما.

ماحدث في كربلاء من هول المصيبة والفاجعة أبكى عشاق الكرامة والعدالة السماوية ولازال يبكيهم كونهم لم يكونوا فداءا في سبيل تطبيق ذلك وآلمهم أنه ضحي من أجلهم، متمنين لو كانوا هم السباقين في ذلك.

نعم يبكي العشاق وتتأجج العواطف وتدمع العيون حزنا لهول المصاب، تضرب الصدور ويبدأ كل محب في التعبير ومحاكاة الألم كلا على طريقته، وللعقل أيضا حيزا من المعادلة فالجانب القلبي العاطفي قد يظهر جليا من خلال شعائر معينة، وأما الجانب العقلي التربوي فذلك يلحظه الفرد من خلال مقدار تهذيب سلوكه وتصحيح أخطائه تجاه نفسه والغير، ولايعني ذلك إلغاء جانبا بوجود الآخر فالإثنين «العقلي والقلبي» مكملين لبعضهما ولكن تختلف نسبة طغيان أحدهما على الآخر باختلاف السلوك والممارسات.

يعود محرم هذا العام ولسان الحال يردد بأي حال عدت يا شهر الشهادة، فالمتاجرة بالدين والقتل ب«الله أكبر» أصبحت لايحدها قانون ولاتجرمها شريعة في بعض الدول المتنامي القتال فيها. حتى أصبح خبر القتل ومنظر الدماء يأتي كآخر العناوين الإخبارية كونه ممن اعتادت العين على رؤيته والأذن على سماعه، فأصبح الخبر بمعيتنا ومن الأمور الروتينية.

هنا نقف موقف الباكي على حال المسلمين وماوصلوا إليه، وليتهم يتذكروا ماحصل يوم العاشر من محرم عندما حاول الإمام الحسين أن يرشد الطرف الآخر مرارا مذكرا لهم بالسنة والآيات قبل أن تراق قطرة دم واحدة.

هذه فقط صورة من معرض عاشوراء تبين كيفية التعامل مع الطرف المخالف المعادي قبل أن تشرع في صد هجومه وإراقة دمه. وما أبعدنا اليوم عن هذا المفهوم والفكرة، وما أبعدنا عن الثورة، ثورة عاشوراء حيث الدروس والعبر وماذكرت آنفا في شريعة التعامل مع الأعداء لايمثل إلا صورة من معرض عاشوراء الذي يزخر بفنون ومختلف الصور.

ما أحوجنا هذه الأيام بأن نجدد العهد والوفاء، بالمضي والسير على درب الولاء للمبادئ والأهداف العاشورائية، تيمنا بدماء طاهرة أريقت ليس لذنب إلا لكونها سعت لمجابهة الظلم وتحقيقا للأوامر الربانية.

وما أحوجنا لقائد كالحسين في صبره ونضاله، مشقته وتفانيه، بطولاته وانتصار دمه على السيف، في خروجه بنسائه، في تقديمه لأبنائه قرابينا لأهداف السماء، في شهادة أصحابه وأهل بيته أمام ناظريه وبين ركبتيه، في علمه بسبي نسائه من بعده.

نعم نحن أحوج لذلك القائد في وقتنا هذا أكثر من أي وقت مضى..

العجل ياصاحب الزمان

عظم الله أجوركم.