آخر تحديث: 28 / 1 / 2020م - 10:56 م  بتوقيت مكة المكرمة

بإحياء ذكرى الإمام الحسين.. نتساءل هل الحسين شأن شيعي فحسب..؟!

لمن يطالب الشيعة بالتخلي عن تراثهم

أحمد علي الشمر *

فى رسالة جديدة مصورة عبرمقطع «فيديو» تم تسريبها وتوزيعها مؤخرا عبروسائل التواصل الإجتماعي، وجهت لـ / الشيعة - بحسب عنوان ونص الرسالة، من قبل ثلاثة من المشايخ السلفية، هم الداعية المعروف الشيخ عايض القرني والشيخين محمد العريفي وسعد البريك، ومضمون محتوى هذه الرسالة كما جاء فى تفاصيلها هو.. دعوة أونصيحة الشيعة بالدعوة أو المطالبة بالتخلي عن ممارساتهم لإحياء ذكرى عاشوراء لاستشهاد الإمام الحسين ، والإشارة تحديدا إلى الممارسات التى قالت الرسالة، بأنها مشوهة لصورة الإسلام.

ويبدومن واقع المنطق السوي فى هذا الموضوع، أنه من السخرية والحماقة والأمورالمستهجنة، بأن توجه دعوة من طائفة إلى طائفة أخرى، لطلب التخلي عن عاداتها وتقاليدها المرتبطة بتراثها ومعتقداتها، لا لشئ إﻻ لمجرد أن لتلك الطائفة رؤية أولنقل شكوك أوملاحظات حول إقامة هذه الذكرى، ومايرتبط بها من ممارسات، يزعم بأنها مشوهة لصورة الإسلام، هذا أوﻻ رغم ان المنطق الطبيعي لهذه الحالة، هو النئ بالنفس فى جانب عدم التدخل الذى لم يبقى له من مسوغ، سوى التدخل المباشرلفرض نهجها الفكري ووصايتها الكاملة، على المنهج الفكري للمكون الآخر، الذى لايلتقي معه فى توجهاته كمكون فكري مذهبي آخر، خاصة فيما يتعلق ويرتبط خصوصا، فى جانب منهجيته ومواقفه من العمل وفقا لفقه وتشريعات أهل البيت ، بجانب العمل بإحياء ذكرى مواليدهم ووفياتهم، والعمل بمقتضى منهجهم كما أشرت فى النقل والتطبيق والعمل بأحاديثهم وسيرهم وروياتهم، والتى هي بالطبع منهج وأصول السنة النبوية ذاتها التى جاء بها الرسول الأكرم محمد بن عبدلله ﷺ، وهذا أيضا رغم مايجمعهم مع إخوانهم من بقية المسلمين عامة من مشتركات وثوابت إسلامية معروفة لاخلاف عليها، وبغض النظرعما يشن عليهم من حملات مشوهة..!

وبالعودة إلى فحوى النصيحة التى جاءت بها هذه الرسالة الغريبة.. وحينما نقارنها بتمعن مع مواقف أخرى لمختلف الطوائف والأديان، تجاه إحتفال الشيعة بإحياء ذكرى هذه الشخصية العظيمة للإمام الحسين سلام الله عليه، وردود أفعالهم من رمزية هذا الإحتفال الممثل بالملايين الحاشدة، التى تقام بمختلف أنحاء العالم والتى تحيي هذه الذكرى الخالدة، تعظيما وتكريما ومواساة للرسول الله ﷺ، فى قتل إبن بنته وأهل بيته العظام، فى تلك الجريمة البشعة، التى لم تدون صفحات التاريخ لها مثيلا فى البشاعة والخسة، خلال تلك المرحلة التاريخية على الأقل، وبالتالى مايظهره ويكنه له أتباعه ومريدوه من التبجيل والإحترام، والوفاء، بهذه الملايين المحتشدة لإحياء هذه الذكرى، أقول في الوقت الذى يقوم فيه هؤلاء ومعهم العديد من العظماء والمفكرين والفلاسفة والزعماء وقادة العالم، مسيحيوهم ويهودهم ومجوسوهم قديمهم وحديثهم، من الذين غمرهم الله بعقول مستنيرة، بإيمان النور ونشرالمحبة والإلفة الإنسانية بين مختلف الأديان والشعوب، وكذلك مصداقيتهم فى الدعوة لدعم الحرية والعدل والمساواه، ومحاربة الظلم والطغيان والفساد، وتعظيم رموزالأمة، تكريما واحتراما وإجلاﻻ لمواقفهم وتضحياتهم النبيلة لقيمهم ومبادئهم، وتأكيدهم إلى جانب ذلك على تحقيق مبادئ حقوق الإنسان ودعم الحريات والإنعتاق من العبودية والإستبداد.. أقول فى الوقت الذى يقف فيه هؤلاء العظماء للدفاع عن هذه القيم الإنسانية والدينية التى ينحني لها كل العالم، إجلالا وإكبارا لمواقف أتباعه، وهم يحيون هذه الذكرى الأليمة، فى الوقت الذى يحدث هذا تعظيما وإجلالا - وحزنا وألما - لمالحق بهذه الشخصية والقامة العظيمة وأهل بيته الكرام.. ينبري وياللأسف «البعض» ممن عرفوا وتميزوا بنشرثقافة الغلظة والشدة «الصحراوية» فى فكرهم وخطابهم وممارساتهم، وليست لديهم مرجعية تراثية ولا جذورتاريخية أوحضارية، اللهم تمسكهم بالقشوروالجزئيات، أقول ينبري هؤﻻء يريدون أن يملوا هذه الثقافة الجامدة المتصلبة، يريدون أن يملوها ويطبقوها على الآخرين من الشعوب التى عرفت بمحبة واحترام رموزها وقادتها.

والمشكلة النفسية التى لايستطيعون تجاوزها، رغم هذا التطورالحضاري المذهل فى العلوم الإنسانية والتقنية بجملتها وعمومها التى تسود هذا العالم وهم لاشك جزءا منه، المشكلة القائمة التى تشكل بالنسبة لهم قمة «العقدة» وهي أنهم أصبحوا ومن خلال هذا الواقع المر، غيرقادرين على التعايش والتكيف والتأقلم، مع حقيقة هذا الواقع الذى يشكل بالنسبة لهم عقدة الذنب كما هوواضح، التى يريدون يتخلصوا منها، ويكفروا عنها نيابة عن الآخرين..!!

وأما عقدتهم فى قراءة التراث والتاريخ، فهي مشكلة المشاكل التى لايريدون تجاوزها، وحتى باتوا أسرى بقيود موروث تلك الثقافة الأموية التى أقرها وفرضها حكام الجوروالظلال من الطغاه والظالمين، من سلاطين البلاط الأموي والعباسي، على العلماء والوعاظ من سلاطينهم، لتزييف التاريخ الناصع وتغييب البراهين والحقائق الدامغة وقلبها رأسا على عقب، بقوة وجبروت السلطان، وخاصة بعد ملاحقة وعزل وسجن وتشريد وقتل أهل البيت صلوات الله على نبينا الأكرم محمد وعليهم أجمعين، وبعد أن خلى لهم الجو، والسيطرة على الأرض بملكهم العضود، فساروا على هذه المنهجية التى سربوها وتداولوها، عبرهذا التراث ومن خلالا العهود والمراحل التاريخية المتتابعة، وبالشكل المتعمد فى تغييب السيروالروايات الناصعة، لتراث وتاريخ وآثارأهل البيت .. فكيف يستطيع هؤﻻء ممن يدافعون ويحمون ذلك الإرث الأموي أن يقبلوا ويرضوا ولو بمجرد إحياء الذكرى الفاجعة لآل البيت من قبل أتباعهم، وخاصة بأن هذه الذكرى الأليمة تعيد للأذهان والأسماع ما تعرض له أهل البيت، من أنواع التنكيل والسلوكيات البشعة التى تعرضوا لها ولحقت بهم..!!

ومن هنا نحن قد لانلوم البعض من هؤلاء الذين لا يريدون أن يقرأوا التاريخ والتراث الإسلامي، إﻻ من باب صيغه ومفرداته ومضامينه ومحتوياته المقلوبه، فليتهم يقرأون التاريخ والتراث الإسلامي من بابه الناصع، بمفرداته وصيغه ومحتواه ومضامينه السليمة الصادقة، ولوحدث ذلك، لما تأولوا وتجرأوا بهذا الإفتراء المتبجح على التراث والتاريخ الإسلامي، واعترضوا على بقية المسلمين، حينما يحاول بعضهم إعادة كتابة التاريخ بوجهه المشرق والناصع، ومن ثم لما تجرؤا بالإعتراض على بعض تلك الممارسات التى تكرم وتعظم فيها هذه الرموزالشامخة.

وأما حول موضوع الخلط فى ذكربعض الممارسات التى أشاروا لبعضها، فأقول لهم.. نعم هناك بعض الممارسات الخارجة عن طبيعة الفكرة الأساسية لإحياء هذه الذكرى، والتى تحدث خلال إقامة هذه الذكرى، وهذا بالطبع موضوع آخر، له سلبياته ومعالجاته من قبل مراجع وعلماء الطائفة، ولاشك بأن وجود السلبيات ليس مقصورعلى مجتمع أوطائفة من الطوائف، ولكن بالنسبة لبعض الممارسات غيرالمناسبة، فإن من المعلوم بأن هناك من هذه الممارسات ماهي مرفوضة أومستهجنة، وبالتالي فهي ليست محل إجماع فى القبول بممارستها، ومنها على سبيل المثال، بعض الممارسات التى يطلق عليها بممارسات «التطبير» وخاصة مايخص منها استخدام العنف والإضراروإلحاق الأذى بالنفس، عبرإستخدام بعض الوسائل الجارحة كالسيوف والسلاسل، وغيرها من الوسائل العنيفة، أوعمل بعض الممارسات المحدثة التى لم تعرفها المجتمعات الشيعية من قبل، طوال المراحل التاريخية الطويلة من خلال إحياء هذه الذكرى، وفى هذا يجب أن يعلم أصحاب هذه الرسالة وغيرهم ممن يتداخل عليهم شبهة الإلتباس فى هذه الجزئية تحديدا، بأن هنك فتاوى كثيرة، صادرة من كبارومراجع وعلماء الطائفة، تدعوا إلى نبذ تلك الممارسات المشوهة، ولكن كما تعلمون الكثير، قد ﻻيستمع الى مثل تلك الفتاوى، بسبب إيمانهم بفداحة المصيبة والمأساة التى أرتكبت بحق الإمام وأهل بيته وأصحابه فى واقعة كربلاء، وأغلب هؤلاء يعبرون بشكل شخصي، عن مدى حبهم وولائهم للإمام الشهيد بالطريقة تعني إنصهارهم فى الوفاء لنصرته ومولاته، وحتى لودعا ذلك لأن يفتدوه بأنفسهم وأرواحهم، وتلك هي إذن وسائل تعبيرية لا أكثرعن هذا الحب والوفاء والمواساة لسيد الشهداء الحسين سلام الله عليه تعبر ممارستها عن أصحابها.

أخيرا هناك ملاحظة هامة يجب فهمها واستيعابها، من قبل كل من إلتبست عليه شبهة إحياء هذه الذكرى، من الذين ينتقدون الطائفة الشيعية من أصحاب المكونات الأخرى، وهي انه رغم قدسية إحياء هذه الذكرى بالنسبة للطائفة الشيعية، فإن هذه الممارسات خصوصا، لاتعد من ثوابت الطقوس والموجبات العبادية الدينية المعلومة لدى المسلمين الشيعة وجميع المسلمين، كمايحاول البعض من خلالها الخلط والتلبيس والإستهداف، بهدف إثارة التشويش والتشويه، وإنما هي وسيلة تعبيرية نمت وتطورت، عبرمراحل وعهود تاريخية مختلفة، تشكلت وتنوعت، بحسب موروث العادات والتقاليد المتوارثة، وماحدث وطرأ عليها من التغيرات والتبدلات، هوبحسب تطوروتغيرالمجتمعات والمراحل التاريخية ومواقف رجال الدين الشيعة منها سلبا أوإيجابا.. فإذن علينا ندرك هذه الحقائق وﻻنحمل الأموربأكثرمما تحتمل.

هذا مالزم التنويه به، كرد متواضغ يعبرعن وجهة نظرشخصية خاصة.. داعيا المولى العلي القديرأن يوفقنا ويجمعنا على الخيردائما، وبمختلف مكوناتنا الإسلامية لمايحبه ويرضاه.

وﻻ حول وﻻقوة إﻻ بالل العلي العظيم.. وحسبنا الله ونعم الوكيل.

السلام على الحسين الشهيد.. السلام على علي بن الحسين.. السلام على أولاد الحسين.. السلام على أصحاب الحسين.. عليكم جميعا مني مابقيت وبقي الليل والنهار.

كاتب ومؤلف سعودي «سيهات»