آخر تحديث: 29 / 1 / 2020م - 1:28 ص  بتوقيت مكة المكرمة

أمريكا انتصرت رغم هزيمتها

أحمد العلي النمر

أخيرا رضخت أمريكا للواقع وطبقت المثل الشعبي «اليد اللي ما تقدر عليها قبلها» بعد أن جربت وحلفائها الكبار والصغار كل الطرق الشيطانية لإركاع إيران... تلك الدولة الفتية الصامدة التي تكاد تكون الوحيدة على كوكب الأرض التي رفضت التبعية للآخرين، رغم إمكانياتها المتواضعة مقابل ما تمتلكه الدول العظمى من وسائل الترغيب والترهيب... تلك الدول التي لم تتعود سماع كلمة «لا» من الآخرين... إيران فقط هي من قالت لها «لا» وكانت بإرادة ثابتة لم تتزعزع ولم يعتريها الضعف أو التردد... «اللاء» الإيرانية هي التي حطمت كبرياء أمريكا وحلفائها وأدخلت اليأس في قلوبهم وجعلتهم يشككون في قدراتهم العسكرية وأجبرتهم على الرضوخ مكرهين للأمر الواقع، والإقرار بحق هذه الدولة على استخدام التكنولجيا النووية وتخصيب اليورانيوم الذي تحتاج إليه على أرضها بعد أن كانت طوال تلك السنين تطالبها بإيقاف «فكرة» التخصيب...

رغم الهزيمة الواضحة لأميركا من هذه الاتفاقية لكن أمريكا تعتبره انتصارا كبيرا، يعكس ذك العناق الحار على الهواء بين جون كيري وزير الخارجية الأمريكية وكاثرين آشتون منسقة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي الذي اعقب اعلان الاتفاق... أمريكا قرأت بتأمل في مستقبل هذه المعركة واكتشفت أنها مهزومة لا محالة فانسحبت بذكاء...

الأمريكي عندما رأى أن مصلحة وطنه وشعبه تحتم عليه التنازل والرضوخ للأمر الواقع وضع تحت قدمه كل دعوات الغرائز وشهوات النفس والمصالح الظاهرية... أما نحن العرب فلا زال هذا «النقيق الضفدعي» النشاز يردد ببلاهة «اقتلوني ومالكا»...

إن الاتفاق التاريخي «العالمي» الذي تم بين أطياف متناقضة ومتعادية كأقصى ما يمكن أن يكون التناقض والعداء هو في الحقيقة درس مجاني لنا نحن أبناء هذا المجتمع الصغير الذي تجمع بين أفراده كل أواصر المحبة والقربى والدين والمصير المشترك في أن نراجع أنفسنا بواقعية وعقلانية لنعيد صياغة علاقاتنا ونضعها في الطريق السليم، لأن سياسة المقاطعة والتهميش واحتكار مؤسسات المجتمع المدني والاستبداد بالرأي والتصور أن جهة ما تمثل الفضيلة والأخرى ناقصة الإيمان، وما إلى ذلك من خزعبلات يمليها الشيطان وأعوانه ليفرقوا بها بين أفراد المجتمع الواحد ينبغي لنا جميعا أن نضعها تحت الأقدام ونبدأ مرحلة جديدة من التعاون المثمر الذي يُعطي كل ذي حق حقه ويضع الرجل المناسب في المكان المناسب...