آخر تحديث: 3 / 3 / 2021م - 1:14 ص

قصة الخباز ومستوصف طب الهادي

سلمان محمد العيد

ربما أكون من الناس الكثيرين الذين لم تفاجئهم خطوة أخي الكبير سعيد بن عبد الكريم الخباز «أبورمزي»، حينما قام بتقديم المستوصف الذي يملكه لصالح جمعية البر الخيرية بسنابس،

فمن يقترب قليلا من هذا الشخص لا يستغرب منه هذه الخطوة.. فقد كان بإمكانه أن يبيع هذا الصرح ويتبرع بجزء منه لصالح الجمعية، وكان بإمكانه أيضا ان يحول نسبة من ريع المستوصف للجمعية، او حتى يبيع المستوصف بسعر أقل من قيمته الفعلية الى الجمعية، أو حتى يدخل الجمعية معه كشريك في المستوصف، وكل هذه الخيارات سوف تحظى برضا الجمعية وشكرها وتقديرها ـ على كل حال ــ لكنه ارتأى الطريق الأصعب الذي لن ينال منه شيئا ماديا يذكر، فقد قدم المستوصف بالكامل لصالح الجمعية، التي سوف تقوم بتشغيله، وتحويل ريعه لصالح الأعمال الخيرية التي تقوم بها، وسوف تقدم خدمة العلاج المجانية ـ كما أتوقع ـ لمنسوبيها من الفقراء والمحتاجين.

كل ذلك يؤكد سلامة المقصد للأخ العزيز «ابورمزي»، فلم يكن بحاجة إلى هذه الخطوة لأي مقصد آخر من المقاصد الدنيا، ولو كان كذلك لفرض على الجميع أن يكون المستوصف بإسمه وإسم عائلته، لكي تبقى بصمة دعائية على مر الزمن، خاصة وأن المبادرة تمت من قبله، فاجأ بها المسؤولين في الجمعية.

وفي هذا الصدد، يسرّني ان أحيل الزملاء الأحبة الى حوار صحفي اجريته معه في شهر رمضان الفائت ونشر في مجلة الخط عدد 31 ويمكن لمن يرغب الاطلاع عليه الدخول على موقع المجلة على شبكة الانترنت، فقد سألته صراحة عن المستوصف نفسه فقال لي بالنص «... تقاعدت مبكرا ـ بعد أكثر من ثلاثين عاما في العمل ـ وقمت بشراء مستوصف طب الهادي بسنابس، حينما علمت برغبة مالكه في بيعه، فوجدتها فرصة للدخول في هذا المضمار، وكنت قد فتحت مكتبا استشاريا للموارد البشرية في لندن، قمت بإغلاقه للتفرغ لإدارة المستوصف الذي صار شغلي الشاغل، وقمت بإعادة ترتيبه وصرفت عليه وحافظت على بقائه كمشروع يقدم خدمة للمجتمع».. من هنا يفهم بأن الخباز أراد لهذا المستوصف أن يبقى كمشروع لخدمة المجتمع، وبدلا من أن يغلق ويتحول الى مشروع آخر، قد لا يقدم الخدمة المطلوبة كالتي يقدمها المشروع الصحي، أراد له الاستمرار فكان له ذلك، لقد اشتراه بما حصل عليه من مستحقات التقاعد والإدخار من شركة أرامكو السعودية، وهي خلاصة ثلاثين عاما من الجهد والتعب، تبرّع بها لصالح الأعمال الخيرية.

وحينما سألته عن سبب اختيار النشاط الصحي بعد التقاعد، دون غيره من المجالات المنسجمة مع تخصص الخباز وخبرته في مجال الموارد البشرية، قال لي: «..... لست تاجرا، ولم أسع إلى الربح من الأصل، ولم أعمل على زيادة دخلي الشهري أو السنوي من خلال هذا المشروع، وحينما رأيت المستوصف قد انشغل عنه صاحبه، وعرض إلى البيع، وقد وصل إلى حافة الفشل، قمت بشرائه وأردت أن اختبر قدراتي في الإدارة والقيادة، وأن اقدّم خدمة للمجتمع، وأن يكون لي مجال عمل بعد التقاعد، فقمت بشراء المستوصف، وأصبح في فترة من الفترات من أنجح المستوصفات في القطيف، وكان مشروعا بمثابة التحدّي للنفس، فكان أولى خطواتي في المشروع أن فتحت الباب على مصراعيه للتوظيف، ففي وقت ما كانت نسبة السعودة في المستوصف تصل إلى 45% وهي الآن تصل إلى 36% ولم يخل المستوصف في أي من فتراته من وجود طبيب سعودي، فنحن نأخذ الأطباء السعوديين الذين ينتظرون البعثة أو الوظيفة، فنتيح لهم المجال للعمل، كما أن البعض يريد أن يحصل على الخبرة، فنوفرها لهم عمليا لا نظريا، وكانت التجربة ناجحة بنسبة 90% وقد ساهم المستوصف في تعريفي بالمجتمع الذي كنت فيه شبه مجهول، فربما كنت معروفا عالميا أكثر مني في مسقط رأسي وبين أهلي»..

من هنا نجد بأن ثمة مبررات ذاتية ـ غير مادية بالضرورة ـ أرادها الخباز من المشروع، منها خدمة المجتمع، وخدمة الذات.. ولكن هل حقق الخباز هذه الأهداف؟

اجاب الخباز ـ في الحوار المذكور ــ بقوله: «كما سبق القول فأنا لست تاجرا، ولم آخذ من هذا المستوصف قرشا واحدا لي ولا لعائلتي، فالمستوصف يشغّل ذاته بذاته، وكل عائداته يتم تدويرها داخل المستوصف أو في المجتمع، وقد صرفت عليه في البداية وهو الآن يقوم بتشغيل نفسه بنفسه».

بالتالي فالمشروع ليس فاشلا أو غير مهم، حتى يتخلص منه صاحبه، ولو كان كذلك فكان بإمكانه أن يلجأ لخطوة صاحبه السابق في عرضه الى البيع، وأخذ أمواله ووضعها في مشروع تجاري آخر، فالمشروع لو بيع كمبنى فقط فسوف يحقق لمالكه مبلغا ليس قليلا من ملايين الريالات، خاصة في ظل الارتفاع الحاد في أسعار العقار «الاراضي، والإيجارات».

وحينما سألته عن العقبات التي تواجه المشروع الصحي الأهلي، قال: «يبقى المشروع صغيرا، والخدمات تبقى محدودة، وأنت تعمل في جو تنافسي، لا تستطيع أن تتجاوز بعض الأمور، فالكلفة التشغيلية ارتفعت، بينما العائد وقيمة العلاج لم تتغير، هذا يجبرك أن تتنازل عن بعض الطموحات.. كما أن التطوير العلمي لمنشأة صحية يصطدم بعقبات كثيرة منها المفهوم العام للعلاج في البلاد وفي الوطن العربي ككل، فهناك أدوية لا يجب أن تؤخذ، بل يجب ألا تعطى، والطبيب ـ في الجانب الآخر ـ يخاف إذا لم يعط الدواء ولم تتغير الحالة أن يقال له بأنه غير مؤهل، لذلك نحن عملنا عدة برامج للتقليل من هذه الأدوية وفشلنا للأسف، وكانت هناك ضغوط من المستفيدين أنفسهم.. كما ان القدرات العلمية باتت غالية الثمن بالقياس إلى الإمكانيات، فضلا عن ان هناك مفهوما خاطئا حول المشاريع التي تقدم خدمة للمجتمع حيث يرى البعض أنها يجب ألا تربح، في المقابل إذا لم تربح كيف تستمر في أدائها.. والأمر الأهم في كل ذلك أن الإعلام هو ضد القطاع الصحي الخاص، حيث يصفه بالجشع والأوصاف السيئة، حتى أن البعض يراها لا تصلح لشيء، هذه الثقافة إذا ما استمرت فهي تضع المؤسسات الصغيرة أمام خطر عدم الاستمرار».

تلك مجموعة عقبات تواجه القطاع الصحي الأهلي، ما قاله أبورمزي يعد قليلا من تلك المعاناة، سمعت عنها مفصلا من خلال اللجنة الصحية بغرفة الشرقية «التي انتمي لها وظيفيا»، لكنه ـ وللحق ـ مع كل هذه العقبات استطاع ان يجعل المستوصف في وضع مقبول، يقدم الخدمة على أفضل وجه، نال رضا المتعاملين، وأنا وعائلتي من الذين تعاملوا مع هذا المستوصف منذ زمن طويل.

وفي الحوار نفسه سألته سؤالا مباشرا وصريحا أيضا هو: « ألم تفكر في تطوير المستوصف بأن يتحول إلى شركة من عدة أشخاص يقدمون الدعم وتتاح الفرصة إلى المزيد من التطوير؟ ».. وقد كان الجواب مفاجئا للغاية إذ قال: «لو جاءني شريك وهو يريد ربحا سنويا، فهذا سوف يجعلني أغيّر فلسفتي الإدارية».

ولأكثر من مرة في هذا الحوار يؤكد لي ـ ولم يكن بحاجة لذلك التأكيد ـ بأنه لا يبحث عن الربح من خلال المشروع، رغم الظروف الصعبة التي مر بها المستوصف ـ كغيره من المستوصفات الأهلية ـ والتي ذكر بعضها، واضاف عليها بقوله «... إن وزارة الصحة ومنذ العام 1997 منعت استقدام حملة دبلوم ما بعد البكالوريوس، واقتصرت على حملة درجة الماجستير، وهو تخصص أكاديمي للوصول إلى درجة الدكتوراه، وهو لا تحتاجه المستوصفات الصغيرة التي تتعامل مع عيادات خارجية، وغالبية الأطباء هم حملة الدبلوم، لذلك تراجع عدد الأطباء، وارتفعت أجورهم خلال خمس سنوات 300% والمستفيد لا يدرك ذلك، إذ لم تتغير عليه قيمة الخدمة، هذا الوضع سوف يؤدي إلى نتائج سلبية على المستوصفات، فإذا كانت بعضها قد أغلقت فالبعض الآخر في الطريق، فالمطلوب هو تقييم الوضع، لأن فشل الاستثمارات في القطاع الصحي سوف يخلق كارثة، ولا يستطيع القطاع العام إن يغطّي النقص».

تلك بعض فصول قصة الخباز مع المستوصف، فالخباز ينطلق من فلسفة خلاصتها «.... العمل في المجتمع ضمن إطار المسؤولية الاجتماعية يحقق الربح أيضا، فالدراسات العالمية أثبتت إن كل ريال ينفق على المجتمع يعود على المؤسسة بريال و36 هللة».. فالربحية قد تتحقق دون ان تكون المقصد الأول، سواء من خلال المستوصف او من خلال أي مشروع تجاري آخر.

فعلى ضوء هذه المعطيات هل هناك من يستغرب بأن يقدم هذا الخباز هذه التحفة للمجتمع، فهو شخص محب للناس، ومحب للمجتمع، وليس غريبا ان يقدم هذا المشروع، الذي وجد لأجل الناس، وحرص صاحبه على أن يبقى لأجل هذا الهدف، ولم يكن أمامه طريق سوى تقديمه لمؤسسة خيرية هدفها تقديم الخدمات الاجتماعية المختلفة.

كل ما آمله أن يشهد المستوصف المزيد من التطوير من قبل جمعية البر الخيرية بسنابس، وأن تعتمد فلسفة الخباز في إدارته، خصوصا فيما يتعلق بالتعامل مع السعودة وتوطين الوظائف، وأن تعاد العيادات التي أغلقت بسبب الظروف الموضوعية سابقة الذكر.