آخر تحديث: 15 / 12 / 2019م - 3:25 م  بتوقيت مكة المكرمة

المنبر الحسيني بين الوعي الثوري وثقافة البكاء

السيد محمد التاروتي

استنادا للأرث الأدبي العميق في ثقافة المنبر الحسيني الذي قد يسمى أدب الطف أو الأبيات الحسينية فإن المأمول أن يكون المتلقي على مستوى عالي من الوعي بمبادئ الثورة الحسينية، أن تنشأ أجيال لا ترضى بالظلم والفساد، أن يستقر في القلوب قوله « إنما خرجت لطلب الإصلاح». لكن.. هل هذا ما تحقق فعلا أم أضحى الحسين مادة للبكاء والتباكي فقط!

يعتقد بعض الكتاب أن تشويه المفاهيم الثورية في العقل الشيعي كانت ممنهجة ومقصودة، والقرار السياسي بإلزام الخطيب في ذكر المصيبة فقط وعدم التعرض للواقع السياسي جعل الظالمين في مأمن، يقول مختار الأسدي« وليس هناك أدل على قيام السلطات الظالمة بتفريغ المحتوى الحقيقي لهذه الثورة العظيمة من جرها إلى جانبها العاطفي المأساوي الحزين فقط وقصرها على شعارات العبرة دون العبرة والحيلولة دون إطلاق بعدها الرسالي العظيم الذي يدعو للثورة ضد الظالمين»

إن افترضنا أن الكاتب جانبه الصواب وأن السلطات لا دخل لها بما جرى على رسالة المنبر فهذا لا يغير شيئا فنحن ما زلنا نواجه المشكلة. أعرف شخصيا شريحة من الناس يرفضون في موسم عاشوراء أي عمل ثقافي أو توعوي كالمحاضرات التي يقدمها بعض الأخصائيين النفسيين والاجتماعيين ويسمونها بدع!! بحجة أن هذه الأيام هي للبكاء فقط وليس لمثل هذه الترهات على حد تعبيرهم! أظنني تنبهت حينها لهول الفراغ الفكري، فحتى عمل الخير باسم الحسين مرفوض كي لا يزاحم دموع هذ الفئة المؤمنة.

ومما رسخ هذا النمط من التفكير بعض الأشعار التي تصورالإمام الحسين مهزوما منكسرا ذليلا في أقصى درجات الوهن، أراد الشعراء بهذه الأبيات تصوير المصيبة بشكل مفجع ومبكي وبالغوا في ذلك، حتى أصبحت هذه الأبيات متسيدة على المنابر طاربة آذان السامعين مبكية للمؤمنين حد الأنين بصوت شجي حزين. قال لي أحد الأخوة ذات مرة « تخيل يا سيد في ليلة السابع لا أحد يبكي، هذا الخطيب فاشل!! ». طبعا أنا لا اعترض على العبرة والبكاء لكن هذه الثقافة طغت بشكل كبير على صورة المنبر فأصبح للناعي النصيب الأكبر من المستمعين أما الخطباء أصحاب المحاضرات الجادة والبحوث المطولة فلهم النصيب الأدنى باستثناء واحد أو اثنان على حد علمي.

يقول السيد محمد حسين فضل الله « هناك عدة صور شعرية تقدم لنا الإمام الحسين بطريقة توحي بالضعف لا بالقوة، مما لايتناسب مع الصورة التي نتمثله فيها إنسانا كبيرا متمردا على كل نوازع الضعف وعناصر الألم» ويقول أيضا « كانت زينب أخت الحسين جهادا ورسالة، لكننا أسقطنا كل هذا العنفوان الزينبي حتى أصبحت زينب مادة للبكاء لا مادة للقدوة! »

كنت وسأظل دائما أقول كلمة قرأتها للشيخ محمد جواد مغنية موجها كلامه للخطباء « علموا الناس لماذا قتل الحسين، لا كيف قتل»

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
ابوسلمان
[ القديح ]: 25 / 12 / 2013م - 5:30 م
سدد الله قلمك وأنار فيك الوعي التربوي وحظيت بشفاعة الحسين..ع.. حيث كانت منك تعابير الإشادة بمنهج الحسين الثوري ودربه المحمدي فالحسين ثائر ومثير لمن تمعن وتلقن أهدافه ثم بكى على مأساة عظيم مصابه ..فبقيي الحسين وبقينا نحن بتلك الأهداف والعبر التي خرج من أجلها ..فجهل كل ذلك والبعد عنه خطب عظيم.....وفقك الله ياسيدنا وجعلك من محبيه وناصريه..