آخر تحديث: 5 / 12 / 2019م - 10:10 م  بتوقيت مكة المكرمة

صديقي عبداللطيف

الدكتور إحسان علي بوحليقة * صحيفة اليوم

في الأحساء، قابلت صديقي عبداللطيف. لم تك تلك أول مقابلة بعد أن افترقنا بعد سنوات من الزمالة في الدراسة المتوسطة والثانوية، بل تقابلنا مرات قبلها، هو سلك مسلكا عسكريا، وانا وإن كانت لي ميول للعسكرية محددة وهي الطيران الحربي، ولكن لم يتيسر لي ذلك. في كل مرة أتقابل مع عبداللطيف نعود كما كان العهد سابقاً؛ القليل من التحفظ على العبارات والكلمات والدخول في جدل لا ينتهي حول أي شيء وكل شيء، بحب واحترام متبادلين. منذ الأزل كان عبداللطيف ودوداً يحب أن يعرف ويتعرف على الناس. في لقائنا الأخير في الهفوف، لم نتجادل بل توافقنا بأننا عشنا دهراً أخوة وصداقة لم تشوبها شائبة، رغم اختلافنا وخلافاتنا على أكثر من صعيد، لكننا كنا دائماً متفاهمين بأن ما يجمعنا تبقى مساحته أكبر بكثير.

في لقائنا الأخير طرحنا على بعضنا ذات التساؤل في ذات اللحظة: هل بقيت الأشياء كما تركناها؛ الصداقات والأخوة والتعاون والتفاهم بل وحتى التعارك والاختلاف والخلاف ولكن بدون أضغان؟ وهل بقيت الروح الجامعة التي هي الحصن الحصين بعد الله سبحانه لحماية أي مجتمع؟ أصدقكم القول بأن صداقات الصبا أصدق الصداقات فهي إجمالاً تقوم على البراءة وليس على مصلحة، ويبقى التعلق بها وبشخوصها هائلاً وإن بعدت المسافات، وهنا يأتي التحدي للآباء والأمهات والمعلمين والمعلمات: كيف نحافظ على مجتمع متحاب متماسك، الروابط بين أفراده تصاغ على مرتكزات التعاون والتكافل؟ ستجد دائماً من يمشي بالنميمة ومن يشي ومن يوغر الصدور ويغسل العقول، فهل يجد عقولاً مستعدة لاستقبال وشاياته؟ وهل يلاقي قلوباً مفتوحة لتلقي سموم أحقاده وما تغوره؟ ليس في الأمر عواطف جياشة، بل فيه مصالح تقوي المجتمع وتحصنه من الكيد والتفتيت، وتزرع بين أفراده القيم الايجابية.

وقبل حديثي ذاك مع عبداللطيف، كنت في أحاديث مع أصدقاء جمعتنا لعقود طويلة محبة هذا الوطن ولم يفرقنا أي أمر آخر؛ جمعتنا العشرة الطيبة والذكريات الجميلة والاهتمامات والقضايا التي يلتف المواطنون حولها التفاقاً شأننا في ذلك شأن أي مجتمع. ومع كل ذلك، فمازالت كلمات حديثي مع عبداللطيف تصدح كلما شاهدت لأي مدى يمكن أن يكره الانسان أخاه الانسان، فـ «الربيع» أتى لمنطقتنا العربية بالعجب مما كنا نسمع ونقرأ عنه في كامبوديا مثلاً. أعود لأقول إن التعارف والتعايش والتآلف والتكافل أساسيات ليس بوسع أي مجتمع التفريط بها، وبالقدر الذي نحرص على تقوية مجتمعنا نقوم بصيانة وتعزيز التعارف والتعايش والتآلف والتكافل بين أفراد المجتمع، بل وعلينا إطلاق المبادرات لتحقيق ذلك، فهي ركيزة الاستقرار. بل عند التمعن سنجد أن الازدهار الاقتصادي لا يتحقق إلا عبر بوابة الانسجام الاجتماعي، والسلم الأهلي، وشيوع التفاؤل والاندفاع نحو الانتاج والعمل وترك التماحك، ففي الانتاج والعمل عمارة للأرض وإرتقاء لنا بين الأمم ورفاه للسكان وصيانة للأوطان.

رئيس مركز جواثا الاستشاري
مؤسس شركة وطن للاستثمار