آخر تحديث: 20 / 8 / 2019م - 10:49 م  بتوقيت مكة المكرمة

دعيدع الثورة!

حسين العلق *

ثمة صنفان من الناس لا يبرز صوتهم “الحيوي جدا” إلا عند الأزمات؛ ثوار الشاشة وأبطال الشيشة! فالأول غالبا ما يفرغ ما في جعبته من فهلوات خلاقة بإسم مستعار من خلف شاشة الكترونية، فيما يلقي الآخر آراءه اللامعة التي يعيد من خلالها صياغة الكون بأكلمه وهو ينفث دخان الشيشة من “كنداسة” فمه ومناخيره باستمتاع كبير في أقرب مقهى.

حقيقة الأمر، ليس هناك أكثر راحة من الجلوس على مقاعد الجمهور ومراقبة الآخرين.. وانتقادهم أيضا!. انه شيء ممتع حقا، سيما اذا اقترنت الفرجة مع كيس من الحب “الفصفص” وبجانبها دلة شاي بالنعناع، ذلك ان ممارسة النقد لا تتطلب لدى الكثيرين أكثر من هذه الأدوات، التي يمكن اختزالها في شيشة مع جراك ابو تفاحتين أو معرف الكتروني تحت مسمي “السعلو” أو “دعيدع الثورة”، ولا يخفى ان الوصفين الأخيرين لا علاقة لهم باللغة الفرنسية بل هما مرادفان لكلمة “الجن”.

لا يملك المرء إلا أن يحترم أولئك المخلصين لمثلهم ومبادئهم، مهما بلغت درجة الإختلاف مع “تطبيقات” تلك المثل والمبادئ. لكن الذي “يبط الكبد” عندما يمارس أحدهم عنترياته اللفظية بحق الآخرين، مطالبا غيره بالقيام بأدوار رسمها غيرهم، ويعيرهم بعدم اعتناق آراء لا صلة لها بنهجهم، فيما لا يجرؤ هو نفسه على الإفصاح عن اسمه الحقيقي، مفضلا أن يمارس “غزواته” الالكترونية بإسم مستعار وسلاحه شبكة “wifi” مجانية، أو تسديد صواريخ النقد من على طاولات المقاهي او الديوانيات وسط سحابة كثيفة من دخان الشيشة!

دعني أكون أكثر صراحة. أنا لست ضد حرية التعبير عن الرأي ولا حتى الثرثرة في “القهاوي”!، لكني سأكون ضدها بشدة ضمن محافل أخرى عندما تلامس حد “الفتاوى” التي يراد للآخرين دفع أثمانها الباهظة. فهناك من يستسيغ توزيع الآراء والأدوار السياسية البالغة الحدية على الآخرين سيما ضمن سياق التحريض أو التقريع، فيما يبقى هو نفسه في منأى عن كل التبعات، كما لو أن الآخرين هم وحدهم منوط بهم العمل وفق آراءه الفذة وفتاواه السيالة، البعيدة كليا عن الميادين التي يريد أن يزجهم فيها.

أريد هنا أن اكون أكثر مباشرة. قد يكون من المقبول من عوام الناس الذين يوصفون “بحزب الكنبة” أن يمارسوا ثرثرتهم كما يشاءون وأن لا يستثنوا أحدا من سليط لسانهم فتلك من طبيعة العوام. أما عندما يتعلق الأمر بغير العوام فالموضوع مختلف تماما. من هنا نستهجن مواقف أولئك الذين يضعون أنفسهم بمصاف النخب بشتى أصنافها، ولا همّ لهم إلا النزول بسياط النقد على القلة القليلة التي تتحمل مسئولياتها في الساحة وفق مبدأ الممكن، فيما يريد الفريق الآخر يدفعها دفعا إلى اجتراح المستحيل!

يمكن القول باختصار شديد، ان البعض بات، من حيث يشعر أو لا يشعر، يرفع في وجه الآخرين شعار «سيروا ونحن “مش” ورائكم»!، هؤلاء أنفسهم ومن دون وعي باتوا أعضاء نشطين ضمن “حركة الشيشة الثورية”، وأقصى نشاطهم هو نسج العنتريات الثورجية ضمن جلسات السمر أو من على مواقع التواصل الاجتماعي، ثم - وهنا الأدهى - الخوض في محاسبة وتعيير الآخرين على تلكؤهم في الأخذ بتلك العنتريات، أعاذنا الله وإياكم من ثوار الشاشة وأبطال الشيشة!

كاتب سعودي