آخر تحديث: 3 / 3 / 2021م - 1:14 ص

الحكومة السعودية.. والصراع الشيعي الشيعي

سلمان محمد العيد

بين فترة وأخرى تظهر على سطح الساحة الاجتماعية للشيعة في السعودية حالات من الصراع الاجتماعي، الذي يحتل حيزا أو مكانا في العقل الجمعي الشيعي، ويسيطر على نمط السلوك لدى العديد من الفئات في المجتمع، كل بحسبه وحسب موقعه في معادلة الصراع.

- بعض هذه الحالات يمكن أن تصنفه ضمن الخلاف في وجهات النظر، الذي يشهده كل مجتمع، بل كل تجمع بشري، صغر أم كبر، بيد أن بعض حالات الصراع لا يمكن أن تكون طبيعية، ولا يوجد اتفاق على أنها ضمن الخلاف في وجهات النظر، بقدر ما هو حالة من التنافر والعمل على الغاء الآخر.

- بعض حالات الصراع محدود في جزء معين من المنطقة، كالصراع العوائلي بين بعض الأسر في منطقة القطيف، بينما هناك حالات تعد شاملة لكل المنطقة، لدرجة يمكن القول أن أحدًا لا يستطيع ان ينفك من هذا الصراع.

- بعض حالات الصراع يستمر فترة قصيرة، كأن يدوم سنة أو سنتين، أو شهرًا أو شهرين، في حين أن بعض صراعات الشيعة مع بعضهم البعض استمر لأكثر من 20 عامًا.

- بعض الحالات تجد رفضًا عامًا من قبل نخبة المجتمع، بينما بعضها نجد أن النخبة هم جزء من الصراع، إن لم يكونوا مصدر الصراع نفسه.

- بعض حالات الصراع يحدث نتيجة عوامل داخلية بحثة، أي أن الصراع حدث في الوسط الشيعي، ومصدره الشيعة انفسهم، بينما هناك بعض الصراعات جاءت نتيجة أجواء خارجية، انتقلت بقدرة قادر إلى الفضاء الشيعي المحلي.

وإذا جئنا إلى مصادر الصراع لدى الشيعة نجده متعددة، أهمها العلاقة مع نظام الحكم في البلاد، فالشيعة مختلفون حول الموقف من السلطة، وطريقة التعامل والتعاطي معها، وهناك اكثر من وجهة نظر في هذا الشأن، تتسم بالتناقض والتباين في كثير من الأحيان، ولو نظرنا إلى الأمر نجد أن معظم الشيعة يكادون ان يكونوا متفقين على أن ثمة تمييزًا يجري بحقهم على أسس طائفية، بمعنى أنهم يتعرضون بين فترة وأخرى لنوع من الظلم لأنهم شيعة، وأن هذا الأمر يتم تحت عين الدولة وربما بمعرفتها ورعايتها وأن أطرافًا في عدد من الدوائر الحكومية تكاد تكون متورطة في ممارسات تحمل طابع الفرز المذهبي.

ورغم قناعة جميع الشيعة بأن التمييز الطائفي حالة قائمة، يتم ممارستها والقيام بها من قبل الطرف الآخر، الذي يحمل اسم ولافته وشعار الدولة، إلا انهم – أي الشيعة – مختلفون تجاه الوضع القائم، وتحديدًا تجاه الحكومة، والخروج من هذا المأزق الذي لم يكونوا سببًا فيه.

وقبل أن يستعرض وجهات النظر تجاه الموقف من الحكومة، ينبغي التوقف عند نقطة غاية في الأهمية وهي أن الحكومة، وكافة الأطراف الموالية لها تحديدًا من معتنقي المذاهب السنية، والمذهب الحنبلي السلفي بوجه خاص، يرون أن الحكومة لاتمارس أي نوع من التمييز ضد الشيعة، فهم قد أخذوا حقوقهم بالكامل، بل هم يتمتعون بأكثر من حقوقهم، بدليل وأن العشرات منهم يعملون في وظائف حساسة في العديد من الدوائر والمواقع، وأن العشرات منهم يسكنون أفضل المساكن، وشوارع القطيف والأحساء هي الأفضل في المنطقة الشرقية، والدولة بدورها وفرّت لهم – مثل غيرهم – مجالات العمل والتعليم والعلاج، وإذا جئنا على الصعيد الديني فالدولة لم تشأ منعهم من أداء شعائرهم الدينية، فلهم مساجدهم وحسينياتهم، وكذلك مدارسهم الدينية، كلها تعمل وتزاول نشاطها دونما تدخل حكومي. كل ذلك يتم رغم المخالفات الشيعية – حسب وجهة النظر الأخرى – من قبيل عدم الولاء للوطن، والتمادي في النيل من صحابة رسول الله، فضلاً عن الممارسات اليومية التي تخالف كمال التوحيد، أو تخالف سياسة الدولة..

ولسنا في وارد عرض المزيد من التفاصيل عن قصة العلاقة بين الشيعة والحكومة، فذلك لا يتسع له هذا المختصر، خلاصة القول أن وضعًا غير طبيعي تعاني منه الطائفة الشيعية، تتحمل الحكومة كامل المسؤولية عن ذلك، وإذا كان هناك ثمة رفض لمثل هذه المقولة فالمطلوب إثبات العكس، والشواهد التي أوردنا بعضًا منها لاتعطي دلالة كافية على عدم وجود التمييز الطائفي ضد الشيعة كحقيقة قائمة يمارسها اكثر من طرف محسوب على الحكومة نفسها.

هذا الواقع لا يزال مورد خلاف كبير بين الشيعة، وظهرت عدة وجهات نظر نوردها باختصار:

- هناك من يرى واقع التمييز الطائفي بأنه جزء من واقع سلبي عام، يندرج تحت أزمة الحرية أو ازمة حقوق الإنسان في البلاد، فالتمييز الطائفي ظلم بحق فئة، يفترض أن تحظى بكامل حقوقها، وهذا لا يعني أن الفئات الأخرى لا يتعرضون لنوع آخر من الظلم، ليس بالضرورة ان يكون ذلك الظلم ماسًا للجانب الديني، بل قد يكون قائمًا في مجالات اقتصادية واجتماعية وثقافية، بالتالي فكل أبناء المجتمع في المملكة، شيعة وسنة، أهل الشمال والشرق، وأهل الغرب والجنوب والوسط، كل منهم يعاني وضعًا معينا يشعر من خلاله بالغبن والمظلومية، مصدره أزمة مشتركة لدى الجميع، فلن يحل المشكل الطائفي – حسب هذه النظرة – إلا إذا حل المشكل الوطني، والمسؤول ذلك هو الحكومة، أو السلطة الحاكمة، فهي الأقدر على حل كل ذلك، من خلال سن القوانين والأنظمة والتشريعات التي تمنع الظلم والتعدي، وتتيح للجميع المجال لتطبيق قناعاتهم والتعبير عنها.

إن هذه الفكرة تحظى بقبول وقناعة فئة من الشيعة، وهي التي تتبنى منهج المعارضة لنظام الحكم، وقد شهدنا في تاريخ بلدنا أسماء وتوجهات معارضة للحكومة، تلتقي عند هذه النقطة، دونما أي تفريق بين من يتبناها أن يكون دينيًا أو وطنيًا أو قوميًا، وقد شهد تاريخ الشيعة في السعودية بروز حركات مختلطة بين الشيعة والسنة لجامع بينهم وحدة الوطن، وبرزت حركات شيعية بالكامل وبنسبة 100%.

على ضوء ذلك فإن أبرز وجهات النظر الشيعية في التعاطي مع السلطة الحاكمة هي وجهة النظر المعارضة التي ترى إن إصلاح الوضع مشكل عام يأتي من إصلاح نظام الحكم.. وفي هذا الجانب بالتحديد هناك اختلاف في آلية الإصلاح، فهناك من كان يتبنى فكرة التغيير الجذري والعمل على إسقاط الحكم بالوسائل المتاحة، حتى لو كان عن طريق انقلاب عسكري، أو العمل المسلح العنيف ضد الحكومة، بينما ظهرت دعوات تتفق مع هذا التوجه لكنها تدعو لذلك بوسائل سلمية كالإعلام والدعوة، للانتخابات والديمقراطية وما شابه ذلك.. الأمر المهم هنا أن كلا التوجهين بات في نقطة تماس مع الآخر، قد يصل إلى حد التناقض والاتهام، بالتالي فإن أحد أبرز مصادر الصراع والتناقض في الوسط الشيعي يعود إلى طريقة التعاطي مع مصدر حل المشكلة وهو الحكومة، وكلا الطرفين يرى في الأخر على خطأ وإنه لن يحقق شيئًا مما يعمله.

- مقابل ذلك التوجه ذي الوجهين المختلفين هناك توجه أطلق عليه في الأونة الأخيرة التوجه "الموادعة" أي الذي لا يتبنى الصدامية أو حتى الاختلاف مع الحكومة، هذا التوجه فضلاً عن اختلافه مع التوجيه المعارض، فهو يحمل في ذاته توجهين، الأول يحمل قناعة شبه مؤكدة بأن التداخل والانفتاح على الحكومة هو الطريق الأمثل لتجاوز المشكل الطائفي، انطلاقًا من أن المشاكل أو إجراءات التمييز والظلم ضد الشيعة يمارسه صغار القوم، يتوقف كل ذلك في حال وصلت إلى المسؤولين الكبار، فما علينا إلا إيصال الحقيقة إلى أكبر مسؤول في الدولة.. أما الثاني فهو من تيار "الموادعة" لكنها بصورة سلبية، أي أن الواقع قدر علينا، وعلينا قبوله، وانه لافائدة من الانفتاح، ولا المحاولات مع الدولة، فضلاً عن المعارضة، إن ما بين هذه التوجهات جملة واسعة من الاختلافات والحرب والشائعات وتبادل الاتهامات تصل إلى حد التشكيك في النزاهة والإخلاص والوطنية.

فالعلاقة مع الحكومة أمر غير متفق عليه لدى الشيعة، بل لايزال مصدرًا لصراع اجتماعي عميق لم يتوقف، ولا يبدو أنه سوف يتوقف، ما دامت العلاقة بين الشيعة والحكومة مضطربة، ففي حال الاضطراب هناك من يسعى لإصلاح هذا الوضع لخدمة الطائفية، فالاستقرار والهدوء – تحت أي ظرف – هو أفضل، بينما يأتي طرف آخر ويتبنى التصعيد ويجد أن من يحمل شعار الهدوء هو بالضرورة يحمل بذور العمالة والتبعية والمهادنة وبالتالي السير في غير مصلحة الطائفة.

مقابل هذين التوجهين يأتي طرف ثالث ليرى أن الأفضل الابتعاد عن السلطة سلبًا وإيجابًا فلا فائدة من ذلك، وإذا ما صار هذا الطرف عاملاً رفع شعار "بناء المجتمع" ولندع الحكومة وسياساتها فلا دخل لنا بها، حتى لو لم تكن ايجابية معنا.

 بينما هناك تيار رابع يرى أن الدولة، حتى لو كانت سلبية في بعض المواقف فهي أفضل من كافة الأنظمة السياسية الأخرى كالبعثيين والشيوعيين وغيرهم، بالتالي فعلينا الولاء ثم الولاء كما فعل آباؤنا وأجدادنا حينما دخلوا في الحكم السعودي طواعية.

إن مثل هذه المواقف تحدث في أي مكان، ففي كل دولة هناك من يوالي الحكومة، وهناك من يعارضها، بيد أن الوضع لدى الشيعة لا أحد يقبل بطريقة الآخر، بل كل يجر النار إلى قرصه، ويجد أن طريقته هي المثلى، وطريقة الطرف الآخر – بالضرورة – باطلة فاشلة، ويتم بموجب ذلك تبادل الاتهامات.
بقي أن نشير إلى ثلاث ملاحظات هامة في هذا المجال:

الملاحظة الأولى:

أن العلاقة غير المستقرة بين الشيعة وبين الحكومة استغلها بعض أعداء الحكومة، من نظم سياسية معينة مثل نظام البعث في العراق، أو نظام إيران – الخميني، أو مصر – عبد الناصر، أو بعض الفصائل الفلسطينية، فأنشأوا حركات معارضة للحكومة، إذ تم استغلال واقع الشيعة، وتم استقطاب عدد منهم للانتماء إلى أحزاب معارضة للدولة، وفي كل مرة تختلف الحكومة السعودية مع أي من تلك الأنظمة يتم تحريك بعض الفصائل أو بعض الجهات منهم الشيعة، الذين هم اكثر قابلية للمعارضة للحكومة بحكم وجود خلل في علاقتهم مع الحكومة.

الملاحظة الثانية:

أن بعض الإجراءات الشيعية المتصارعة تستنجد بالدولة أحيانًا بغرض خدمة صراعها، فهي ولكي تثبت ولاءها للحكومة تقوم بإعلان البراءة عن الطرف الشيعي، خاصة إذا تجاوز هذا الأخير الحد في معارضته، وتبنى طريقة تهدد مصالح الطرف الآخر.

الملاحظة الثالثة:

حينما نقول أن هناك صراعًا في الوسط الشيعي فإننا نعني ما نقول، لكن ما يتسم به الشيعة في خلافاتهم أنها لم تصل إلى حد الاحتراب واللجوء إلى القتل واستخدام السلاح، فلم يحدث أن سفك شيء من الدماء كما يحدث في صراع الطوائف في لبنان وافغانستان وباكستان، فالصراع قائم لكن لم يصل إلى حد القتل، بل دار في حدوده الكلامية وتبادل الاتهامات والإشاعات، ويرجع ذلك إلى قوة سلطة الدولة التي لا تسمح لأي من الصراعات بأن تتجاوز نطاقها النظري والاجتماعي؛ والبيانات المتبادلة.