آخر تحديث: 20 / 8 / 2019م - 10:49 م  بتوقيت مكة المكرمة

“متعودة دايما”.. على التشهير!

حسين العلق *

من المتعارف عليه وسط رجال القانون أن التشهير يعدّ عقوبة بحد ذاته! وعليه لا يجوز لأي طرف ”كائناً من كان“ سواء على مستوى الأفراد أو الأجهزة الرسمية أن يشهر بأحد إلا بموجب حكم قضائي نهائي. تلك هي ببساطة المعادلة المفروضة!.

غير أن النصوص المدونة شيء والواقع شيء آخر!. فقد أصبحت صحفنا المحلية ”متعودة دايما“ على نشر تفاصيل وأسماء بعض المتهمين في حوادث أمنية وجنائية مختلفة، دون أدنى اعتبار إلى كون التشهير بهذه الطريقة يخالف مبدأ ”اصل البراءة“ القاضي بأن المتهم بريء حتى تثبت ادانته!، حيث درجت وسائل اعلامنا على التشهير واصدار الأحكام ربما قبل أن تنتهي الجهات المختصة من كتابة محاضر التحقيق مع المتهمين، ناهيك عن استنفاذ جميع وسائل التقاضي حتى نهايتها!

لا يمكن في حقيقة الأمر وصف هذه الممارسة التشهيرية بالمتهمين سوى بالفوضى والتجاوز حتى على نظام الحكم في مادته الثامنة والثلاثون التي تنص على ان ”لا عقوبة إلا بناءً على نص شرعي، أو نص نظامي“.

وبمعنى آخر، فإن القبض على أي متهم أو مشتبه به على ذمة أي قضية، لا يخول لوسائل الإعلام التشهير بهؤلاء المتهمين، بل ان التشهير بهذا المعنى لا يدخل ضمن صلاحيات أي جهاز من أجهزة الدولة ما لم يكن هناك حكم شرعي يقضي بذلك. ذلك ان التشهير يدخل في بعض الحالات ضمن نطاق العقوبات التعزيرية التي يقدرها القاضي حسب معطيات القضية.

روى لي أحد الأصدقاء الذي التقى والد أحد المتهمين المقبوض عليهم حديثا على خلفية قضايا جنائية، أن الرجل الذي طالما عرف بسيرته الحسنة في اوساط المجتمع بات يشعر بالخزي جراء لجوء الصحافة ووسائل الإعلام المحلية إلى التشهير بعائلته على صدر الصفحات الأولى! ويتساءل هذا الرجل المؤمن، ألا يدرك هؤلاء المسئولين عن هذا الفعل أنهم يشهّرون بعائلة كبيرة برجالها الصلحاء ونساءها العفيفات ويأخذونهم جميعا بجريرة فرد واحد يجمعون هم أنفسهم سلفا على مقت أفعاله!

اللافت هنا هو ان المادة التاسعة والثلاثون من نظام الحكم تنص بوضوح بأنه يحظر على وسائل الإعلام والنشر الإساءة إلى كرامة الإنسان وحقوقه، فهل يتبرع أي من رؤساء التحرير الأفذاذ بشرح هذه المادة للأب المكلوم أعلاه، أم أن وسائل الإعلام هذه كانت وستظل كما قلنا ”متعودة دايما“!.

الأشد غرابة في مسألة التشهير في بلادنا أنها لاتزال محكومة بمعادلة ”ناس وناس“. ففي حين تنزل سياط التشهير بكل قسوة على ظهور العامة، لا تزال الطبقة المخملية الفاسدة تنعم ببركات التعتيم الإعلامي فأقصى ما ينال هؤلاء من مسميات على صفحات الجرائد هي تلك الصفات الوظيفية العامة من قبيل ”قاضي سابق“ أو ”رجل أعمال“ أو ”أمين سابق“، مع أن بعض جرائم الواحد من هؤلاء ربما تفوق جرائم نزلاء سجن الحائر مجتمعين!.

لقد آن الأوان لوسائل الإعلام المحلية بأن تتخذ خيارا من اثنين، إما الالتزام بالأنظمة التي تمنع التشهير بصرامة، أو أن تفتح باب التشهير بكبار الفاسدين خصوصا المنظورة قضاياهم أمام المحاكم. ذلك حتى لا ينطبق فينا قول النبي ”إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد“.

كاتب سعودي