آخر تحديث: 28 / 10 / 2020م - 9:21 م

قصيدة يوسف نصار.. تجاوزعلى القواعد والأعراف المهنية..!!

أحمد علي الشمر *

تعليقا على قصيدة الشاعريوسف نصارالتى إنتشرت مؤخرا فى الكثيرمن الصحف والمواقع الألكترونية ومواقع التواصل الإجتماعي، وما أطلق عليها بالمعلقة، والتى جارى فيها على مايبدو.. معلقة عمروبن كلثوم «آﻻهبي بصحنك فاصبحينا» والتى تعرض فيها لقضية هامشية، لاتعكس أي بعد واقعي أوفكري أومحوري للقضية أوالقضايا العربية، بقدرما تحمل من إسقاطات الشاعرنفسه على بعض القضايا الجانبية التى تأثربها، وبحيث جعل منها قضية القضايا، وأما صيت انتشار القصيدة، فلم يكن فى الواقع إلا على خلفية القصيدة الأصلية ليس إلا.

وإذا ماعدنا لأصل موضوع القصيدة، فإننا سنجد، بأنه موضوعا سطحيا سادرا، وليس بتلك الأهمية المتوقعة، ولكن وجدناه قد عنى بالتهكم والسخرية من فنانة معروفة فى الوسط الفني المصري، وأيضا بعض الفنانات الأخريات من نفس الوسط، ممن وردت أسمائهن فى القصيدة، لكن مايثيرالحنق والسخط، هوتخطيه وتجاوزه ضمن هذه الخلفية، وماضمنها إجمالا وبوضوح تام، من خرق واضح لكل القواعد والأعراف المهنية فى توجيه النقذ أوالقراءة النقذية، والذهاب بها بعيدا نحوالتعريض للإساءة للأسف لشعب عربي شقيق، هوشعب مصرالعريق بحسب ماحوته عبارات ومفردات القصيدة..!!

وبداية أود أن أشيرهنا، إلى أن مداخلتي أوتعليقي هذا بالطبع، لايأتي دفاعا عن الفنانه أوعن مصر.. فمصرلها رجالها ونقادها، من المفكرين والنقاذ الذين لهم الباع الطولى فى المنافحة والدفاع عن بلدهم.. رغم أنه يشرفنى أيضا هذا الدفاع عن هذا البلد العربي الشقيق، وإنما نبعت فكرتي فى الأساس لهذه الخطوة المتواضعة، إحقاقا للحق أدورمعه حيث مادار، ومن ثم إبداء رغبتي الملحة بتذكير الشاعربماهوأحق وأجدى منفعة ومصلحة لأمتنا وواقعنا العربي..

من هذا المنطلق بداية أشير.. إلى أنه من الطبيعي فى أمورنا الإعتيادية، هوان يتناول أحدنا بعض الطروحات النقدية، المتعلقة بالنقد أوالتهكم أوالسخرية مثلا، من بعض المواقف السلبية، لقضية معينة من القضايا، أوغيرها أيضا من الموضوعات الفكرية، نقذا أوقراءة أوتقريضا فكريا يسيرباتجاه هذه الدائرة، أوربما من جهة أخرى، نقذا هجائيا ساخرا ولاذعا أيضا، يأتي من باب تقويم فكرة أوموقفا ما، لتحسين الفكرة والوصول بها لمسارأفضل، لتصحيح وإيجابية بعض من تلك المواقف، فهذا أوذلك النقذ هولاشك أمرا مطلوبا ومرغوبا فيه ولاغبارعليه، ولكن أن نحيد بهذا النقذ إلى إتجاه مغاير، خاصة حينما تشوبه بعض الشوائب المسيئة والجارحة، بتوجيه الإساءة للأخرين بشكل مباشرأوغيرمباشر، ينافي المعاييروالقواعد المهنية، لأصول النقذ والأعراف والقيم الأخلاقية والإجتماعية والثقافية والفكرية المتعارف عليها، التى تقوم أويقوم عليها بناء وقواعد فكرة النقذ، فهذا ماﻻيمكن قبوله، بل أن ذلك الأمريبقى مرفوضا جملة وتفصيلا، وبل هومثارللإستهجان والسخرية من قبل الجميع..!!

ولكن هذا للأسف ما حصل وما قام به وفعله الشاعرنصارنفسه، عبرقصيدته التى عبرعنها بالمعلقة، وقصد فيها بالتعمد فى إساءته وتهكمه وسخريته، من بلد شقيق هي مصربعمومها، كماخص فيها أيضا وبالإسم شريحة من أهلها، تقدمتها كما ذكرها بالإسم الفنانة «فيفي عبده» من خلال ماجاء فى هذه القصيدة، بدون مراعاته لأدنى مسؤلية إعتبارية لروابط العلاقات الأخوية العربية، والمهنية له كمفكروشاعر، فالقصيدة كماهوواضح، لم تأتي بالإساءة لهذه الفنانة وحدها فحسب التى حدد القصيدة بإسمها تخصيصا، وإنما شمل ذلك مجموعة من الفنانات الأخريات اللاتى حوت أسمائهن القصيدة، وبل شمل ذلك أيضا شعب مصربأكمله للأسف، بحسب ماجاء فى موارد متعددة من القصيدة..!!

فإذا كان مكمن إحتجاجه وتهكمه من الجهة أوالمؤسسة المصرية، التى قامت بوضع اسم الفنانة فيفي عبده، ضمن أسماء قائمة المكرمين للأم المثالية فى مصر، فالتكريم قطعا لم يأتي من باب المجاملة أوالإختيارالعشوائي، وبالتالى فهوليس على علم بمعرفة الحيثيات التى قامت المؤسسة بموجبها بتكريمها بتلك الجائزة.. والتى هي بطبيعة الحال أدرى بالمسوغ الذى دعاها لمنح الجائزة لتلك الفنانة، وبالتالى أيضا ليس من حقه ولاغيره الإعتراض على ذلك، وخاصة بتوجيه تلك الإساءات المهينة لتلك الشخصيات المذكورة، أولبلدها بتلك العبارات الخارجة عن اللياقة الأدبية، وبهذا التشضي السافر، ومهما كانت المبررات والدوافع..!!

وكان الأحرى بهذا النقد أوالإنتقاد، بأن تراعي فيه الضوابط والإعتبارات المهنية والأخلاقية، دون هذا التفريط فى الإسفاف والإبتذال، عبرالمساس بتعريض الآخرين لهذه الإساءات غيراللائقة..!!

ومن المفارقات أيضا فى هذا الصدد أن أذكر.. أنه إذا كنا نجد أن فى بعض البلدان، من يتم فيها تكريم بعض الشرائح المهنية، الخاصة من المجتمع التى تمتهن مثل هذه المهن، وهي أسباب ربما لها مايبررها من الدواعي والمبررات والمواقف الإنسانية، بنظرتلك الجهات التى تجري مثل هذه التقديرات مثلا..

فهناك فى أكثربلداننا العربية من المؤسسات للأسف، ممن تتجاهل هذا الجانب الإنساني، المرتيط بتكريم المواهب وأصحاب الأعمال والعطاءات المتميزة، من المبدعين وذووالكفاءات العلمية والفكرية والمهنية، من الذين تميزوا بعطاءاتهم وأعمالهم الإبداعية فى شتى الحقول والميادين، ودون أن تلتفت إليهم تلك المؤسسات أوغيرها من الجهات المعنية، هذا هوالسؤال الحقيقي الجديربالإثارة..؟!!

فمن المخجل أن لانجد للأسف فى معظم هذه البلدان فى مؤسساتنا، من يهتم بتكريم المبدعين الذين أسهموا ومازالوا يسهمون فى بناء ونهضة وتطوربلادهم، على جميع الصعد والحقول.. الخدمية والإجتماعبة والإسلامية والأدبية والثقافية والفنية، بتعدد وتنوع إختصاصاتها ومجالاتها.. وهذا هوفعلا الجانب الإيجابي الذى يستوجب الإلتفات إليه، واستثارته وتسليط الضوء عليه من خلال النقذ والتوجيه.. والذى يأتي فى محله ومكانه الصحيح فى تقديري..!!

وأما الجانب الآخرالملفت حقا فى موضوع محورملاحظاتي لهذه القصيدة، فيتعلق بقيام الشاعربتسخيروتوظيف قصيدته، بكل هذا الزخم، وهذا الجهد المبذول.. للسخرية من راقصة.. بسبب تكريمها ربما لفعل خيرقد أنجزته، فالتكريم هنا كما هوواضح، لم يأتي بالتأكيد من فراغ، أوبناء على وظيفتها المهنية المعروفة، فوظيفتها المعلومة تبقى فى كل الأحوال محصورة فى دائرة محدودة فى نطاق محيطها الضيق، الذى يهتم بها، فهي إذن ليست الهدف المقصود من وراء هذا التكريم..!!

فليت الشاعرقد سخرووظف مجهوده.. وعمله الفكري، لمعلقته الكلثومية.. لهجاء ونقذ أكثرتلك الشخصيات العربية سلبا وضررا عليه وعلى أمته العربية..!!

ليته سخرها فى نقذ وهجاء المستبدين والفاسدين والمرتشين، الذين يسرقون المال العام ويسلبون الحرية.. ليته سخره ووظفه لأؤﻻئك الذين يفجرون ويدمرون وينحرون ويذبحون، ويقتلون الناس الأبرياء الذين ﻻناقة لهم فيها وﻻ جمل.. وهم يرتكبون هذه الحماقات، بإسم الدين وهومنهم براء..!!

ليته وظف قصيدته فى هذا الوضع المحزن الذى تعيشه أمتنا العربية واﻹسلامية، ومايجري فيها من حروب ودماروأحداث مأساوية يندى لها الجبين، يقتل ويشرد فيها الناس دون جريرة، وعلى خلفيات مذاهبهم ودياناتهم وأعراقهم.. وتدمرفيها بيوتهم وتحرق مساجدهم وكنائسهم، وتكفردياناتهم وتمحى ذاكرتهم وثقافتهم دون أي جرم جنوه..!!

ليته نعي فى هذه الأرجوزة الساخرة.. الجامعة العربية بل العرب جميعا على هذه المواقف السلبية المخزية والمذلة والمهينة.. تجاه مايحدث من كل هذه المآسي العربية الطاحنة، التى يقتل فيها العرب والمسلمين بعضهم بعضا، وتهدرفيها دمائهم وأموالهم وثرواتهم دون جدوى.. وتناسيهم لعدوهم الحقيقي..!!

ليت هذا الشاعرقد سخرجل عمله هذا، فى توجيهه للعرب والمسلمين.. لموقفهم المخزي والمذل.. أمام إحتلال بيت المقدس الذى يحتله العدوالحقيقي للعرب والمسلمين جميعا.. منذ أكثر من أربعين عاما، ومازال الصهاينة إلى اليوم يعبثون به وبجميع مقدرات الآراضي والشعب والفلسطيني بكامله، دون أن يرف للعرب والمسلمين جفن وعين..!!

ليته قد سخره وكرسه ووظفه فى هذه القصيدة، التى أطلق عليها بالمعلقة، للسخرية من الموقف العربي المهين، ممثلا فى إنعقاد مؤتمرالقمة وموقفه السلبي، أمام مايجري من العربدة الصهيونية، وجنودها الذين يطاردون بالرصاص والقنابل المصليين فى المسجد الأقصى، وطائراتهم التى تفتك وتدك وترمي بحممها وقنابلها، الشعب والمدن الفلسطينية وبيوتهم وممتلكاتهم.. ليته وظف معلقته في السخرية من هؤﻻء جميعا.. الذين مسحوا بنا جميعا وبكل هذه الأمة الأرض.. من الذين أضاعوا تاريخنا وتراثنا وحضارتنا.. وانبطحوا للغرب راضخين صاغربن بعد أن أصبح موقفهم الذليل  كالأيتام على موائد اللئام  حتى جعلوا من المواطن العربي، يعيش ذليلا بائسا محبطا يأكل ويشرب.. ويعيش فى جميع أوجه حياته الهامشية على فتات الآخرين..!!

ليت هذا الشاعرالأبي.. قد أظهرهذه الهمة وهذه الحماسة.. غيرة على هذه التداعيات التى تعيشها الأمة.. بدلا من هدرها وضياعها على مجرد «راقصة» ﻻتهش وﻻتنش..!!

وماهي فى نهاية المطاف إلا مجرد سلوى لإسقاطات المحبطين والمهمومين.. الذين ربما قادتهم ظروفهم وحضوضهم العاثرة والسيئة، لتلك الأوكار.. وهم يحاولون الهروب من أوجاعهم وآﻻمهم.. بهذه التسالي.. التى تجمعها بكل أسف كل هذه المفارقات والتناقضات الغريبة، التى تسربت إلينا منذ الأزل من التاريخ والموروث والتراث العربي..!!

كاتب ومؤلف سعودي «سيهات»