آخر تحديث: 29 / 3 / 2020م - 1:51 ص  بتوقيت مكة المكرمة

التاتوه وأثره النفسي على الفرد!!

جلال عبد الناصر *

انتشر مصطلح التاتو بين المراهقين حيث يعود أصل الكلمة إلى سكان جزيرة Polynesia وهي عبارة عن تزاوج بين كلمتين ف «Ta» تعني الضرب على الشي أما بقية الكلمة «Ttoo» فتشير إلى الاحتفال بالشئ وقد تزايدت في الآونة الأخيرة ظاهرة رسم الوشم على ويرى أصحاب محلات التاتو أو الوشم بأن إقبال الناس لاختيار نوع الرسم واختار موقعه على الجسد يعد نوع من اللمسات الجمالية الإضافية على الجسد كالكحل في العين أو الطلاء على الأظافر ويذهب البعض منهم إلى أبعد منذ ذلك فهو يدخل ضمن إطار التفاعل الاجتماعي الأكثر إثارة كرفع مستوى العلاقة الحميمية بين الزوجين. وبما أن ظاهرة الوشم قد طرقت أبواب مجتمعنا الخليجي فمن واجبنا كأخصايين نفسيين أن نستعرض مدى الآثار النفسية والاجتماعية والصحية التي يتركها الوشم على الفرد.

لاحظ المهتمون في الدراسات النفسية والاجتماعية من القرن الثامن عشر بأن الوشم ينتشر بشكل أكبر لدى العاملين في السفن والمجرمين والمرضى النفسيين ومدمني المخدرات وأن هؤلاء العينات من الناس يشتركوا في صفات معينة كالفقر ووجود أمراض نفسية. وكان يعتقد بعض العلماء بأن الوشم يعود إلى عهد الفراعنة لكن اكتشاف رجل الثلج في سنة 1991على الحدود الايطالية النمساوية والذي يعود إلى قبل 5000 سنة قد بدل النظرية تماما حيث ظهرت على جثته آثار وشم وبهذا سحب الأضواء من الفراعنة التي طالما تملكت الحضارات. وقد أثار ذلك مجموعة من الباحثين والمهتمين. ففي سنة 1995 قام «فيرجسون» وزملاءه بافتراض أن الوشم يحمل معنى رمزي للموشم. فهو يفسر الظروف التي يتعايش معها وبالتحديد الظروف النفسية. فلقد وجدوا بأن من يرسمون النرد أو ورق اللعب على أجسادهم هم غالبا من الشخصيات المضادة للمجتمع. وفي دراسة كشفت أيضا بأن الهدف من رسم الوشم ليس نوعا من الجماليات وإنما هو غالبا ما يحمل منعكس نفسي لا شعوري ترضي صاحبه عن نقص معين.

يحتوي الحبر المستخدم في التاتو على مادة سامة وهي cadmium وقد يتسبب ذلك بأمراض جلدية كمرض الحساسية للضوء «Photosensitivity» وقد كشفت دراسة بان 40% من المصابين بالتهاب الكبد الوبائي C هم من يحملون وشم على أجسادهم. وقد تم تسجيل حالات الايدزHIV»» نتيجة تبادل استخدام الأدوات الملوثة للحفر أو الرسم.

نلاحظ في مجتمعنا الخليجي المحافظ بأن فكرة الوشم كانت شائعة بين النساء وبدأت بالاختفاء في بداية الثمانينات تقريبا ويغلب البساطة في الرسم كرسم خط أو ثلاث نقاط صغيرة كنوع من الزينة أما الرجال فقد كانوا يضعوا الوشم كنوع من الإشارة للقوة أو الانتماء لجماعة معينة حيث شاع رسم النازية وصورة قلب يخترقه سهم. وبالرغم من وجود فتاوى شرعية تحرم وضع الوشم كما جاء في الحديث «لعن الله الواشم والموشوم» إلا أن المجتمع قبل صورة المرأة بالوشم وعلى العكس من ذلك فلقد رفضت شريحة من المجتمع الموشمين من الرجال واعتبروهم نمط عدواني وهم العائلات المحافظة وأرباب العمل. أما اليوم فيبدو بأن ظهور الوشم بصورة مختلفة عن السابق فتح مجال لتقبله بين شريحة معينة من الناس وبالتحديد من هم في سن 19 - 35 وقد يعود السبب إلى تعدد الأشكال والألوان أو للطريقة الجديدة في رسمه على الجسد فهناك صورة الفراشة التي غالبا ما تكون أسفل الظهر بالنسبة للفتيات ورأس التنين في الكتف بالنسبة للشباب وبطبيعة الحال ان انتشار الوشم بين أشهر اللاعبين والمطربات يساعد جليا في ظاهرة انتشاره.

لقد احتلت محلات التاتو المركز السادس في1997 للمشاريع الأكثر نجاحا في المجتمع الأمريكي. وقد كشفت دراسة أمريكية بان واحد من بين كل عشرة أمريكيين يفضلوا وضع وشم على أجسادهم وتعكس كلتا الدراستين مدى الارتباط بين المجتمع الأمريكي والوشم. وبالرغم من ذلك لوحظ بان نسبة كبيرة من أرباب العمل لا يفضلوا وجود موظفين ممن يحملون الوشم في أجسادهم. وفي دراسة قام بها Price، 2002 على عينة من الفتيات من طالبات الثانوية والجامعة أي من هم في سن 18 إلى 24 سنة وشملت العينة كلتا الشريحتين من الفتيات الموشمات والغير موشمات وقد كشفت الدراسة بأن عينة الفتيات الغير موشمات يتفوقن على عينة الموشمات في القدرة على جذب الذكور وارتفاع معدل درجة الذكاء والقدرة على حل المشاكل إضافة للتفوق في القدرة على كتابة الشعر والقصة وهم أقل نسبة في إدمان المواد المخدرة. ولقد أثبتت دراسة أخرى قام بها «seiter، hatch 2005» خلصت بأن مجموعة الناس الموشمين هم أقل درجة من الناس الغير موشمين من عدة جوانب نفسية كاتزان العقل ورباطة الجأش ودرجة الانبساطية إضافة إلى القدرات الاجتماعية. وقد يعود السبب في ذلك بأن مجموعة الموشمين يعانون من سوء فهم للنموذج الاجتماعي الناجح والقادر على التفاعل الايجابي في المجتمع.

نحن على يقين بأن الناس في الخليج العربي أو مجتمعنا العربي والذين يملكون ميولا نحو رسم الوشم على أجسادهم لا يرغبوا بأن ينظر لهم بأنهم قبيحين من قبل أسرهم أو بقية أفراد المجتمع ولكن عليهم أن يدركوا أن هذا سلوك يعكس مفاهيم خاطئة لديهم وبالتالي عليهم مراجعة حساباتهم من الناحية المعرفية التي قد تكونت مع الأيام أو على الأقل يتم مراجعة نتائج تلك السلوكيات من خلال ردة فعل الأبناء إذا كان الأب أو الأم من الموشمين. فهذا يدخل حتما ضمن إطار صلاح أو انحراف الأبناء وفي نهاية الحديث لا خير لنا إلا بذكر الحديث الكريم «خَيْرُكُم خَيْرُكُم لأهْلِهِ، وَأَنا خَيْرُكُم لأَهْلِي».

اختصاصي نفسي وعضو في جمعية التنويم المغناطيسي الامريكية.