آخر تحديث: 23 / 1 / 2020م - 12:55 ص  بتوقيت مكة المكرمة

السعي لتحقيق المصلحة، هل هي حالة سيئة؟

أحمد محمد آل رجب *

قال تعالى: ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان الرحمن 46.

◆ ”الخوف من مقام الله“ اختلف المفسرون فيه، لكن ما اشتُهر بيانه بين الأغلب وجهان: أولهما/ الخوف من عدالته جل وعلا؛ لأن ذاته المقدسة لاتوجب الخوف، بمعنى الخوف من مواقف يوم القيامة والحضور أمام الله للحساب.

وثانيهما/ أنها الخوف من المقام العلمي لله ومراقبته المستمرة لكل البشر.

فإذا تحقق هذا جاء بعد ذلك الجزاء أي الوعد بعد الوعيد:

”جنتان“ أورد فيها المفسرون عدة وجوه فمنهم من قال: أنها جنة له، وجنة لأهله وخدمه، وبعضهم ذكر أنها: جنة لفعل الطاعات، وأخرى لترك المحرمات والمعاصي. لكن العلامة الطباطبائي في تفسيره الميزان قال: وكل ذلك لادليل عليه، وقال - رحمه الله - والأقرب أنها جنة يثاب بها وجنة يُتفضل بها عليه، إذ يستشعر ذلك من قوله تعالى في سورة ق 35: ﴿لهم مايشاؤون فيها ولدينا مزيد.

وعلى أي حال فأي معنى قصد الله تعالى بها، فإن فيها مايكفي من التحفيز لاستزادة الإنسان من الخير والطاعة.

◆أغلب معاملات الناس عادة - بل إن لم نقل كلها - هي معاملات مصلحية، وكذا الحال أيضًا حتى في عبادة الله جل وعلا، لذا نجد أن أسلوب المقابل على العمل هو أبلغ تأثير على نفس الإنسان وتحفيزه نحو أداء النشاط الموعز له بشكل متكامل، ومن هنا نرى القرآن الكريم ينحو هذا النحو دائمًا كالآية المتقدمة.

◆لايتبادر إلى الأذهان حينما أقول بتعاملات الناس مصلحية، والقرآن ينهج هذا الأسلوب، يعني أن القرآن يشجع ويؤكد على حالة اجتماعية سيئة.

أبدًا، في الواقع أن ”المصلحلة“ مفردة طالما أجحفنا في حقها وحولناها إلى سلوك منبوذ.

لدينا نوعان من المصلحة: أحدهما مذموم، بمعنى أن ينظر الإنسان إلى مصالحه بنحو الاحتكار فتصل عنده إلى حالة الأنانية التي لايفكر فيها بأحد غير نفسه - وهذه هي الزاوية التي يُنظر منها دائمًا -، كما قال ذاك الشاعر:

إنما دنياي نفسي فإذا

ذهبت نفسي فلا عاش أحد

ليت أن الشمس بعدي غربت

ثم لم تطلع على أهل بلد.

والنوع الآخر محمود - وهو الأساس - أن يسعى الإنسان إلى تحقيق مصالحه مع الاهتمام بمصالح الآخرين ولو بالنصيحة لهم.

طبيعي أن أي عمل يقوم به الإنسان فهو ينشد فيه مصلحته بالدرجة الأولى، وطبيعة البشر - كما أسلفت - يحبون حالة الإشادة والتكريم على مايقومون به من أعمال، إذ يعتبر ذلك محفز يدفعهم إلى أداء أعمالهم بشكل أفضل، وهذا طبعًا لا يتنافى مع حب الإنسان واهتمامه بمصالح غيره، كما لا اصطدام بين هذا المعنى وقوله تعالى سورة الحشر 9: ﴿ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة إذ لهذا جوانبه الخاصة من ناحية، ومن أخرى فإن هذه خصلة نفسية عالية قد لايقوى الجميع على بلوغها، لكن الحل الوسط المناسب للجميع أن يحقق الإنسان ويسعى لفائدته، كما لايتناسى فوائد الآخرين ومصالحهم.

ويشير القرآن الكريم لهذا المعنى بقوله تعالى في سورة التحريم الآية «6»: ﴿يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارًا وقودها الناس والحجارة فوقاية النفس تأتي أولًا ثم تحث الآية إلى رعاية مصالح الإخوان بالحث والوعظ والتحذير.

كما لم تخلو الروايات عن التأكيد على حفظ المصالح إلى جانب مصلحتك الشخصية، كقول أمير المؤمنين ع: «ستّ خصالٍ مَن كنّ فيه كان بين يدي الله وعن يمينه: إنّ الله يحب المرء المسلم الذي يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه، ويكره له ما يكره لنفسه...».

علينا أن ننظر إلى المصالح من منظارها الصحيح الذي يدعو له كتاب الله ويحث عليه أهل البيت ع، أن ننظر إليها على أنها فوائد عامة مشتركة بين أفراد الأمة الواحدة.

وكلّ هذا بهدف أن تكون العلاقات الاجتماعية علاقات متينة مرتبطة برباط وثيق محكم.