آخر تحديث: 20 / 8 / 2019م - 10:49 م  بتوقيت مكة المكرمة

التراث والواقع.. وثاقة في العلاقة

السيد محمد التاروتي

كل أمة تعيش حالة من الارتباط مع تراثها، إلا أن شكل هذا الارتباط يختلف من أمة إلى أخرى، فرغم تفاخر الأمم المتقدمة بتاريخها ألا أنها لا تظل مأسورة به، فهم يرون أن التاريخ بتجاربه طريق للمستقبل فيأخذون منه ما يفيد مستقبلهم ويتركون ما هو للماضي لا ينشغلون به، إلا أن أمتنا ظلت حبيسة تاريخها غير متجاوزة له.

ينظر المسلمون لتراثهم باعتباره مكتملا وفريدا لا يجوز نقده وغربلته ولا يتعاملون معه كأي منتج بشري فيخضع حينها للنقد والتحليل، بل إن نقده وتحليله يعتبر تعد على أمجاد الأمة وماضيها المشرق وإساءة للشخصيات التاريخية، فهل كانت الصورة المثلى للأمة حقا هي ما كانت عليه في الماضي، فتكون هذه الصورة هدفا تسعى أمتنا لتحقيقه في هذا العصر؟

كثير من محاولات النقد والمسائلة التاريخية جوبهت بالرفض والعدوان لأنهم يعتقدون أنه نوع من التخريب والهدم للإسلام وإسقاط للشخوص والرموز وليس نقدا لرؤاهم ومواقفهم، وهذا ما جعل لفكر الأموات ومقولاتهم القيمة الأعلى، والمصدر الأول لمحاكمة ومعالجة كل القضايا المعاصرة والمستجدة بأدوات وأفكار الماضي! ولعل اللبس في تعريف التراث هو أساس المشكلة، فالتراث هو مجموعة المفاهيم والمعارف والفلسفات والمواد الفقهية التي نتجت عن قراءة المسلمين لدينهم، مما يجعله بشريا بطبيعته.

حول الخلط في الرؤية بين الدين الإلهي والتراث البشري يقول عبد الجبار الرفاعي ”أضحى حنين - الأمة الإسلامية - وتمجيدها لتراثها مصدرا لطائفة من الالتباسات والخلط في الرؤية، بشكل يتعذر فيه التمييز بين الدين، بوصفه تساميا للروح وتجسيدا للقيم النبيلة، والتراث بوصفه إنتاجا بشريا، يرتبط عضويا بمختلف الظروف والعوامل الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية المتغيرة..... وكأن حركة التاريخ لم تكن تحولا من النقص إلى الكمال، ومن الحسن إلى الأحسن“ أي أن مجرد الفهم بأن التراث منتج بشري يسهل كثيرا كيفية التعامل معه والخوض فيما يعتبر سابقا من المحظورات، فكما هو معلوم أن البحث بحرية وبلا قيود تثمر نتائج مختلفة.

أصبحت من ثقافة المسلمين بعض المقولات التي تكرس التخلف وتحارب الإبداع كمقولة ”ليس بالإمكان أفضل مما كان“ أو مقولة ”خير خلف لخير سلف“ وهذه الأخيرة تغرس في الأذهان فكرة أنه لن يكون المسلم المعاصر بأي حال من الأحوال أفضل من السلف الماضين!

أحد مراجع الدين في إيران بحث مسألة الانتخاب ووصل إلى نتيجة مفادها أن الانتخاب ليس من الأمور الحسنة لأن التراث الفقهي والتاريخي الذي رجع إليه لا يحتوي على مسائل مشابهة يستدل بها على شرعية وفضل الانتخاب. وقد سئل أحد دعاة السلفية عن حكم أخذ الزهور للمريض فأجاب بحرمة هذا العمل لأن أصحابنا - أي السلف الماضين - لم يفعلوا مثله. وها هنا تكمن سيطرة الأموات على الأحياء ويظهر أثرها في تكبيل الحاضر والوقوف بحيرة أمام كل تحد معاصر، ولعلنا لا نبالغ حين نقول أن المسافة أصبحت بينة بين التحديات المعاصرة وبين محاولات المعالجة المغروفة من التراث الفقهي.

يجب أن يقرأ المسلمون تراثهم قراءة نقدية توصلهم لما هو أبعد مما يعيشونه فهم سجناء لهذا التراث وما لم يتحرروا فلن يتقدموا، والعلوم الحديثة لا بد أن تكون بديلا لفهم الماضين في معالجتها لقضايا العصر كي يظهر الإسلام بصورة عصرية ملائمة للواقع.