آخر تحديث: 29 / 3 / 2020م - 1:51 ص  بتوقيت مكة المكرمة

المعجزة الثالثة

جلال عبد الناصر *

لقد اجتهد الإنسان عبر التاريخ في وضع أساسيات ومواصفات لمفهوم الصديق، ولكن العرب كانت لهم وجهة نظر أخرى. فقد تم إدراجه ضمن قائمة المستحيلات الثلاثة فهو كالغول وطائر العنقاء أي لا وجود له إلا في الأساطير. حيث يرى ابن زنباع أن الصديق مجرد لفظ لا معنى له، أما ابن حيان فقد اجتهد في البحث عن مفهوم الصداقة فيقول ”يجب أن نثق بأنه لا صديق ولا من يتشبه بالصديق“.

ولكن هل كل ما كتبه أسلافنا عن المعجزة الثالثة هو من ضمن قوانين الطبيعة، أو فقط مجرد معتقدات قد رسخت لديهم نتيجة ظروف معينة؟!. ويقينا لم يدخل ذلك المعتقد ضمن أفكارهم إلا من خلال تجارب كثيرة وإلا لما اتفقوا عليها. ولكن هل هي صالحة للاستخدام في يومنا هذا خصوصاً بعد أن استبدلنا الزاجل بالآي فون. وحتى نتأكد من صحة تلك النظرية علينا أن نتعرف على المحك الحقيقي للصديق.

تشير كمية المعلومات الموجودة في التراث الإسلامي بأن مواصفات الصديق هي مجموعة من الصفات الحسنة، كالوفاء والأمانة والصدق والبذل والثناء، ونلاحظ كم هي متداخلة تلك المصطلحات مع بعضها البعض. ولو أردنا تلخيصها لوجدناها تدخل ضمن مفهوم الثقة الذي هو مصدر ”وثق“ أي الاعتماد والاطمئنان، وزوال الثقة يعني الشك والخوف. وهنا يسهل علينا أن نرسم الخطوط العريضة لمقياس درجة الصداقة من خلال مستوى الثقة، ويتسنى لنا بعد ذلك تصنيف الصديق ووضعه ضمن أي فئة. فكلما ارتفعت درجة الثقة اقترب ذلك الصديق من مراتب النخبة، وكلما انخفضت درجة الثقة يكون قد ابتعد عن منصة التتويج. وعلى سبيل المثال عندما يتقدم لك صديق يحمل شكواه، ويتهمك بأنك قد كنت تنصب له فخاً كالذي نصبه بروتو لصديقه يوليس قيصر عندها يكون قد اتهمك بالخيانة، ويكون قد طعنك برمح وحشي بن حرب خصوصاً بعد أن أصبحت تلك الصداقة مضرب مثل. حينها لا ابن سينا ولا ابن النفيس يملكان القدرة على مداواة اندمال ذلك الجرح.

لقد رمى ذلك الشخص بالصداقة في وادي الويل، وهذا ما يدعو حقاً إلى الإحباط بالرغم من أن الصداقة لا تشترط فترة صلاحية معينة أو فئة عمرية محددة. لقد تناسى اللحظات التي تم فيها تبادل الأسرار والتي هي بمثابة تحديد نوع ومستوى الصداقة، وليس هذا فحسب وإنما تجاهل الأوقات التي يصغيان فيها إلى بعضهم البعض ليبددا همومهم التي رسبتها الأيام ولأجل ماذا... لأجل وشاية!!!.

شخصياً أقف إلى جانب أسلافي من العرب وأصفق لهم، فقاتل عبد الحكيم عامر هو أعز أصدقائه، وقاتل ياسر عرفات هو نفسه من وقف إلى جانبه ليحميه يوماً من الأيام. وتلك الخيانات تجعلني أصدق كلام الفيلسوف اليوناني أفلاطون عندما قال ”صديقك هو عقلك“. وسوف أسعى إلى أن أنمي الصداقة بيني وبين عقلي.... وكفى....

اختصاصي نفسي وعضو في جمعية التنويم المغناطيسي الامريكية.