آخر تحديث: 15 / 12 / 2019م - 4:29 م  بتوقيت مكة المكرمة

القمع الديني أشد من القمع السياسي!

حسين العلق *

هناك صنفان من المستبدين يكرهون المسائلة، ويُعاقِبون عليها؛ المستبد السياسي والمستبد الديني. وإذا كانت ردة فعل المستبد السياسي مفهومة الدوافع، باعتباره الحاكم بأمره وظل الله في أرضه!، تبقى في المقابل غضبة بعض ”المؤمنين“ مستغربة إلى حد بعيد، فهي أبعد ما تكون عن الأخلاق الدينية وتعامل الأنبياء والأئمة والأولياء مع معارضيهم والمشككين في ذات الخالق!، لا مجرد التفاعل مع تساؤلات عابرة على قضية عامة يتفق أو يختلف حولها الناس.

حقيقة الأمر لا يفهم المستبد السياسي ولا المستبد الديني ثقافة المساءلة ولا يضعها إلا ضمن اطار التشكيك والتآمر والعمالة والرغبات الهدامة. فيلجأ الأول لسلاح التكميم ورمي الناس ”وراء الشمس“، بينما يلجا الثاني لسلاح التكفير والتخوين والتسقيط الاجتماعي.. ولو كان بيده أكثر من ذلك لفعل والعياذ بالله!

المستبد السياسي ميؤوس منه بلا جدال، فلا يرتجى منه الخضوع للمساءلة عن كرم أخلاق! لكن ماذا عن ”المؤمنين“ على الطرف الآخر، خصوصا وأنهم يتكئون على إرث طويل من الحلم والعلم والأخلاق والتواضع وسائر السجايا الطيبة التي لا آخر لها، لكن اذا ”حقت حقائقها“ لم نرى سوى عفن الأخلاق وضيق الصدر كأنما يصّعد إلى السماء!

لا جدال بأن العالم بات يعيش عصرا جديدا شعاره الشفافية والمصارحة وتقديم ما يشفي نهم القارئ والمشاهد والمتابع القريب والبعيد. بينما هناك من اخواننا ”المؤمنين“ تحديدا! من يصر أشد الإصرار على التعامل مع الناس باعتبارهم مجرد قطيع أو أرقام أو أتباع في أحسن الأحوال. وبطبيعة الحال هم لا يقولون ذلك صراحة، لكن هذا ما تشي به ردات فعلهم غير المتزنة والعنيفة جدا على كل من يدنو من ساحتهم المقدسة بالسؤال عن أمر كبير أو صغير!

أظن بأن أحد جوانب المشكلة في الوسط الديني يكمن في رواسب العقلية التقليدية التي حدودها الأزقة والحواري القديمة، ولا ترى في الناس إلا عوام عليهم السمع والطاعة. وهذا أبعد ما يكون عن عقلية أجيال اليوم المنفتحة على عوالم كثيرة تضج بالأفكار والمعتقدات والآراء والثقافات التي لا حدود لها!

ولعلاج جانب واحد من المشكلة أجد بأن الوسط الديني بحاجة إلى التعاطي بإيجابية مع التساؤلات المختلفة التي يثيرها الشباب في كافة المجالات. عوضا عن الأسلوب البائس الذي لا يتعاطى مع أي تساؤلات فكرية أو عامة بات يضج بها الفضاء الاجتماعي منذ زمن، إلا بغاية السلبية وسوء النية والهجوم غير المبرر.

أرى ان من الأجدى للوسط الديني أن تسوده الروح الاستيعابية والعقلية المفتوحة، والدخول في حوارات هادئة وتقديم الإجابة على تساؤلات الشباب، عوضا عن نزعة الصراع والجدل العقيم والنيل من المتسائلين بأخس وأكثر الأساليب ضعة وانحطاطا، التي لم تستثني أي حرمة لدى الطرف المقابل.

إذا كان هؤلاء يظنون خطأ بأن تصرفاتهم الهمجية هذه نابعة من الغيرة على الدين فهم مشتبهون غاية الاشتباه، فلا يطاع الله من حيث يعصى. فمن يا ترى نصبهم حراسا على الدين أصلا، وتصرفاتهم لا تمت للأخلاق ولا الدين بصلة، بل هي للنعرة الجاهلية أقرب، فتعسا ألف مرة لهذه الغيرة المزعومة التي تطرد الناس عن دين الله أفواجا!

للأسف أقول، أن بعض المحسوبين على الوسط الديني باتوا بحاجة إلى العودة لقراءة أبسط الأخلاقيات الدينية التي ينبغي للطفل المسلم أن يتعلمها منذ نعومة أظفاره، والمتمثلة في احترام الآخرين وحفظ حرماتهم. عدا عن ذلك أخشى أن يزيد بعض هؤلاء من ابتعاد المزيد من الشباب عنهم، بل وكراهيتهم للدين بسبب القمع الديني الذي يجري بإسم الله! وبهذا يفوق القمع السياسي شدة. في مواطن الخلاف ينبغي أن نتمثل جيدا المقولة الخالدة «كونوا زينا لنا ولا تكونوا شينا علينا» أما التمشدق بهذه المقولة أوقات السعة فذلك من لغو الكلام!

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
شباب
[ قطيف ]: 2 / 6 / 2014م - 8:31 م
السلام عليكم
كلام بناء وواقعي

لكن سؤال بسيط، لتوجيه الكاتب كما وجه الآخرين بحسه الطيب النافع:

ألا تجد أخ حسين أنك وقعت بمقالك هذا في نفس ما نَهيتَ عنه؟
وبعبارة اخرى: ما هي حدود النقد التي لا توقع الشخص في ما ترتئيه؟ هل بعض الوصف الشديد لمن يخالف الاخر او ينكر الله .. هل يعتبر خارج ما تنتقده هنا ام داخلاً فيه؟

إن كان نعم فانت وقعت فيه قطعاً فتناقضت، وان كان لا، فنحتاج لان تضع لنا آلية تعطي حدوداً لنظريتك كي نرى هل هي جيدة وعملية وتتوافق مع احكام من قالوا كونوا زيناً لنا أم لا

مقالك جميل وصف حالة واقعية ولكنه مبهم ولا يحوي آلية لنظريتك هذه

النقد سهل اخ حسين لكن وضع الاليات والتنظير العلمي الدقيق الكامل هو الذي يعطي لكلامك عمقاً

فنرجو ان تفدنا بذلك دون الركون لاهل الدين الذين ..

أعتدر لك
كاتب سعودي