آخر تحديث: 15 / 12 / 2019م - 3:23 م  بتوقيت مكة المكرمة

المثقف الديني والتقليد الفقهي.. رؤية معاصرة

السيد محمد التاروتي

في الحديث عن القضايا الدينية المعاصرة تبرز لنا قضية الاجتهاد والتقليد، ولعلها من أكثر المسائل أهمية لما لها من أثر على أشكال وصور التدين المعاصر، فظاهرة التقليد برزت منذ فترة ما بعد النص إلى يومنا هذا وقد تعددت صورة العلاقة بين المقلد والمجتهد أو المفتي والمستفتي إلى أن وصلت إلى ما هي عليه الآن.

كانت العلاقة - ولا زالت - فيما يتعلق بأخذ الحكم الشرعي أن يسأل المكلف عن الحكم بدون أن يسأل عن الدليل فيجيبه الفقيه، وهذا ناتج عن الجهل الذي كان منتشرا بصورة كبيرة بين الكادحين من الفلاحين والبسطاء الذي كان اهتمامهم الأول تحصيل لقمة العيش. من ناحية أخرى كان العلم حكرا على طبقة معينة من الناس تجيب على أسئلة السائلين من غير المتعلمين.

لكن في زمن انتشار العلم والتعليم في المجتمعات الإسلامية من خلال المدارس والمعاهد والجامعات، واستحضار المعلومة بسهولة وسرعة عبر الانترنت الذي قفز بوعي المجتمعات إلى مرحلة أكثر تقدما، وتغير أنماط التفكير وتسارع عجلة العلم وانخراط الناس في هذا كله أصبحت الغالبية متعلمة وتغيرت ملامح العلاقة بين الطبقات الاجتماعية، وما كان حكرا على الخواص صار متداولا بين العوام فانطلقت التساؤلات وانفتح أفق النقاشات، بل حتى إنتاج المعرفة الدينية لم يعد حكرا على الفقهاء وطلبة العلوم الدينية، وعلى أثر ذلك أيضا برزت لدى المثقف الديني تساؤلات تتخطى حدود العلاقة التقليدية فيما يتعلق بالدليل وفهم النص.

يكاد يكون انقسام المكلفين إلى مجتهد ومقلد، ومفت مستفت، الصيغة الطاغية على حياة المسلمين الدينية. يقول علماء الإمامية أن شرط قبول العمل هو أن يكون المكلف إما مقلدا لمرجع جامع الشرائط أو محتاطا أو مجتهدا، ولعل المثقف الديني لا يجد نفسه بين هذه الخيارات.

يضيف يحيى محمد خيارا يسميه ”النظر“ وهو مصطلح شائع عند المتكلمين ويعرفه القاضي عبد الجبار الهمداني ”بأنه عبارة عن التفكير في الأدلة على اختلافها. كما أن هذا اللفظ استخدمه بعض الأصوليين والفقهاء يعنون به التفكير في الأدلة الفقهية لمن له حصيلة من العلم سواء كان مجتهدا أو غير مجتهد“ أو كما يعرفه يحيى محمد ”نظر المكلف في أدلة المجتهدين ومن ثم ترجيح بعضها على البعض الآخر أو الاقتناع به حسبما يمليه عليه الوجدان والاطمئنان“ ولعل الفرق الفارق بين الناظر والمقلد هو أن الأخير يتبع قول المجتهد الواحد أو الأعلم دون فحص دليله، بينما لا يلتزم الناظر بفتوى الفقيه الواحد بل يستعرض آراء الفقهاء المتعددة ليعمل بما اطمئن به بعد فحص دليله.

لا يحاول الكاتب شرعنة رأيه أو الاستدلال عليه بأدلة من الكتاب والسنة، بل ويعترف بعدم جدوى البحث عن تشريع يخص طريقة النظر لكنه يرى أن هناك دلالة عمومية وإطلاقية تتمثل في قوله تعالى «الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب» ولعل هذه الطريقة هي أصوب في العرض وأكثر موضوعية ممن يوظف النص الديني ليقدم رأيه كحقيقة لا تقبل الجدل ويحصن نفسه من النقد بالآيات والأحاديث، حيث أن استدلالات الكاتب عقلية ومنطقية أي أن فكرته في النهاية منتج بشري - كما هي آراء الفقهاء - قابلة للنقد والدحض أو التطوير.

أظن أن الكاتب غفل عن سؤال المثقف حول وصوله لرأي لا يجده عند المجتهدين فأدوات المثقف ليست كأدوات الفقيه وحاكمية النص تبلغ أشدها في تقييد الفقيه بعكس المثقف الذي قد لا يؤمن بسلطة النص المطلقة أو أنه يتعامل مع النص بحسب سياقه الزمكاني مما يؤدي لنتائج مختلفة، لكن الكاتب على كل حال يرى شرعية الأخذ بآراء من المذاهب المختلفة وينقل بهذا الصدد نصا للشيخ محمد جواد مغنية يقول فيه ”إن مخالفة المذهب ليست مخالفة لواقع الإسلام وحقيقته بل لصاحب المذهب، وبالأصح للصورة الذهنية التي تصورها عن الإسلام.... آن لنا أن نعيش أحرارا في أفكارنا وندع التقليد لمذهب خاص وقول معين، ونختار من اجتهادات جميع المذاهب ما يتفق مع تطور الحياة ويسر الشريعة“

بهذا الإيجاز الشديد لعرض فكرة النظر عند يحيى محمد في كتابه ”الاجتهاد والتقليد والاتباع والنظر“ الذي يخلق للمثقف الديني مسارا يشارك من خلاله بصورة فاعلة في قضايا العصر والمجتمع بدل إقصائه أو تهميشه.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 4
1
واقعي..
[ القطيف.. ]: 30 / 5 / 2014م - 6:54 م
جميل جداً.. راق لي الاختصار ..
2
علي العوامي
31 / 5 / 2014م - 3:28 ص
العقل لا يستطيع ان يدرك كل الأشياء ولكن يستطيع أن يقول ان التقليد واجب في الأمور الدينية لمن لا يستطيع أن يستنبط الأحكام الشرعية من النصوص الشريفة
3
الحكري
[ المدينة المنورة ]: 5 / 6 / 2014م - 4:51 م
أحسنت ياسيد,,
ولكني أتسائل .. ما هي تركيبة ذهنية المثقف الديني ؟ وما دوره ؟ وما هي خطته العملية في المجتمع الديني؟
أظن أننا نصنف المثقف الديني عندما يجيب على الاسئلة السابقة .. ليضع نفسه في المكان المناسب له ...
ولعلي أوافقكم في كثير مما ذكرتم .. لكنني أجد أن تطوير اسلوب التقليد أكثر واقعية من التخبط بين آراء الفريقين دون دراية محصلة للإطمئنان..
وشكرا ,,
4
باسم الجارودي
7 / 6 / 2014م - 4:14 م
تسمح لي اخ محمد ان ادعوك للموضوعية بدلا من الكتابة المنقولة لاني اجده مقالك منقولا من دماغ اخر ونقلته بقلمك على هذا الموقع وفكرة المقال اكيدا هي قديمة جدا ومستهلك الا اذا كانت هي بنسبة لك جديدة , ولكن اريد انقلك من والوادي النقلي الى الوادي المنطقي والعملي هذا اذا ارت انت فعلا تحرر عقلك من الوادي النقلي والقال والقيل اولا عليك ان تقدم نفسك كطالب علم في اي حوزة علمية واترك عقلك هو من يقوم بدور المعرفة عن طبيعة هذا العلم ثانيا كن في غاية التواضع وانت تتلقاء هذا العلم وافكاره ثالثا لا تدع احدا يتحكم في اردتك اتجاه ما سوف تتأخذه بعد ذلك وفي الاخير بعد الانتهاء من اهم مستويات هذا العلم وقراءته قراءة قريبة وبعد ذلك اعادة كتابة هذا الموضوع وعقلك متحررا من النقل المشخصن ومن دائرة النقولات ..