آخر تحديث: 15 / 12 / 2019م - 11:57 م  بتوقيت مكة المكرمة

البحر من ورائكم و”البيبات“ من أمامكم!

حسين العلق *

القطيف باتت تعيش أزمة سكنية مضاعفة قياسا على المدن السعودية الأخرى. والأسباب في ذلك كثيرة، لعل أبرزها وقف التمدد الأفقي للمناطق السكنية في المحافظة، ومحدودية التمدد العمودي للمباني، وثالثة الأثافي غلاء أسعار الأراضي التي بلغت أرقاما فلكية ليست في متناول الغالبية العظمى من سكان المنطقة. والنتيجة هي بروز أزمة غير مسبوقة بل فريدة من نوعها بين مدن المملكة!

لا يملك الواقف على ملف الإسكان في القطيف إلا أن يصاب بالحيرة. لدرجة بت مقتنعا، أن على كل من يطمح لتكوين أسرة في القطيف مستقبلا أن يقتني قاربا ”طرّاد“ لإستخدامه سكنا على ساحل البحر!، على غرار سكان جنوب شرق آسيا!. فالقطيف كما هو معلوم يحدها البحر من الشرق، أما جهة الجنوب فهناك مدينة الدمام التي اشتبكت احيائها بأحياء القطيف، وبهذا لم يتبق من مساحة تتيح للمنطقة التمدد الطبيعي إلا جهة الغرب والشمال الغربي للمحافظة وهي المنطقة المفتوحة على البر. إلا إن هذا التمدد الطبيعي لا يبدو متاحا بسبب أنابيب النفط المارة هناك أو ما تعرف بمحجوزات شركة أرامكو السعودية، هذا من جهة، ومن جهة أخرى إنعدام المنح الحكومية والمخططات السكنية الجديدة المتاحة في متناول الجميع. وأمام هذا الوضع المحير والغريب بات يصدق فينا القول، البحر من ورائكم و”البيبات“ من أمامكم!

من المعلوم ان السعوديين اجمالا يعيشون أزمة سكنية خانقة لامست حاجز 70%، لكن في القطيف تبدو الأزمة مضاعفة. وهو ما يستوجب التعامل على نحو واقعي مع هذه المشكلة.

في هذا الصدد، تبدو مبشرة الأخبار الواردة أخيرا من أمانة المنطقة الشرقية حول السماح لأهالي عشرين حياً من أحياء القطيف ببناء الدور الثالث في منازلهم. إلا ان هذه - وإن كانت خطوة في الطريق الصحيح - إلا انها لا تمثل حلا جذريا طويل الأمد، بل العكس، فهي ربما للحلول المؤقتة والترقيعية أقرب، وذلك لما سينتج عنها على المدى المتوسط والبعيد، من مشاكل متعلقة بالبنى التحتية والإزدحام وخلافه، ناهيك عن أنها لا تشمل كامل البلدات والأحياء في المحافظة، ما يعني بقاء مشكلة الإسكان ماثلة على نحو أو آخر. يعني ”الطرّاد“ لابد منه!

المطلوب في حقيقة الأمر هو ابتداع حلول جذرية لمشكلة الإسكان في القطيف بصورة خاصة. وأهم هذه الحلول هو معالجة العقبة الكأداء المتمثلة في محجوزات ارامكو التي تلتهم مساحات شاسعة من المحافظة، وفسح المجال تاليا نحو التمدد السكني لجهة الغرب والشمال الغربي للمحافظة، وذلك عبر إعطاء المنح السكنية لأهالي المنطقة، على غرار اخوانهم المواطنين في سائر مناطق المملكة، وليس كما حدث سابقا من توزيعها ”شرهات“ على من لا يعرفون أصلا موقع القطيف على الخريطة.

ولعل أغرب ما وصلني في الأيام الأخيرة هو تصوير أحد ”الأذكياء جدا“ لشراء بعض أهالي المنطقة أراض أرخص نسبيا خارج النطاق العمراني بأنه مخطط طائفي!. ولهذا المسكين - الذي أشك في دوافعه وانتماءه لتراب هذه المنطقة - أقول؛ حاول أن تفهم ”يا حظي“ ان أهالي القطيف اجمالا يميلون للبقاء في مناطقهم القديمة، إلا ان الأزمة الخانقة تدفعهم دفعا للبحث عن قطع سكنية بأسعار معقولة نسبيا تؤويهم وأطفالهم حتى لو كانت في المريخ! فما الداعي لأن يستكثر عليهم السكن في أحياء بأطراف محافظتهم نفسها!، أمر عجيب حقا!

عودا على بدء أقول، وحده التمدد العمراني الطبيعي، وحل مشكلة محجوزات ارامكو، يمكن أن يمثل حلا معقولا لفك أزمة الاسكان الخانقة في القطيف، كما سيساعد ذلك بطبيعة الحال في حلحلة أسعار الأراضي التي لامست الأرقام الفلكية لسعر المتر المربع داخل الكتل السكنية القديمة، إلى جانب الحد من ردم السواحل وتدمير البيئة البحرية. عدا عن ذلك، وحتى ذلك الحين أكرر على الشباب المقبل على الزواج وتكوين أسرة أن يشتري عدة صيد السمك متكاملة من ”السالية والقرقور والصنارة“ حتى يكون سكنه المستقبلي في ”الطرّاد“ كاملا من مجاميعه!.

كاتب سعودي