آخر تحديث: 20 / 8 / 2019م - 10:49 م  بتوقيت مكة المكرمة

العراق في زمن الحمير

حسين العلق *

من المألوف جدا أن يحاول البعض التلاعب بالحقائق في القضايا الغامضة والملتبسة، أما أن يُتلاعب بعقول الناس في زمن الثورة المعلوماتية فذلك مستوى من الغباء يستعصي علاجه. فلازلنا نتابع منذ أيام ردود الفعل المختلفة بعد سيطرة تنظيم ”داعش“ على الموصل بشمال العراق، وفي حين يذهب معظم الإعلاميين وكتاب الرأي والمتابعين السياسيين المحايدين عبر العالم إلى توصيف الحدث باعتباره هجمة إرهابية تواطأ فيها قادة في الجيش العراقي، لاتزال تصر بعض الأصوات على إغماض العين عن ”غزوات“ داعش والمجازر البشعة التي ارتكبها في الأيام الأخيرة، وإيهام الناس عوضا عن ذلك بوجود ثورة شعبية ضد حكم المالكي!. هذه ممارسة خادعة لا تكاد تنطلي حتى على مطلقيها!

لا جدال بأن هناك شطرا من العراقيين يشكو من مظالم سياسية ترتكبها الحكومة العراقية بقيادة رئيس الوزراء نوري المالكي. مثل هذه الشكاوى موجودة على نحو أو آخر لدى أغلب الطوائف والأحزاب العراقية. فكما أن هناك شطرا من السُنة يرفض سياسات المالكي، كذلك يعارض سياسيات المالكي بشدة نصف النواب الشيعة في البرلمان، ويرفضون التجديد له على رأس الحكومة، والحال نفسه ينطق على كامل الكتلة الكردية. هذا يعني ببساطة أن سياسات المالكي مزعجة للجميع. فالحكومة التي فضت اعتصامات الأنبار، هي نفسها التي دكّت بالمدفعية أنصار التيار الصدري في البصرة!.

ما يجري من اشتباك سياسي في العراق لا ينبغي أن يخرج عن سياقه الطبيعي المتعلق بصميم العملية السياسية المتعثرة منذ سقوط النظام البعثي السابق. غير أن المزعج في الأمر هو انبراء بعض الأصوات الطائفية لشقلبة الحقائق على نحو فجّ ومفضوح. وإلا ماذا يعني غضّ الطرف عن مجازر ”داعش“ التي راح ضحيتها في حفلات إعدام أكثر من 1700 طالب من الكلية الجوية في تكريت في الأيام الأخيرة، والإصرار على وصف مرتكبيها بالثوار والمجاهدين!. هذا لا يمت للسياسية بصلة بقدر ما هو جريمة موصوفة بات ينبري للتغطية عليها وتبريرها كل متردية ونطيحة على صفحات الجرائد وشاشات التلفزيون.

ان تصوير المجازر الطائفية التي ترتكبها قطعان الإرهابيين في العراق باعتبارها ثورة سلمية يمثل بحد ذاته جريمة تفوق جرائم ”داعش“ وتتجاوز أي ظلم سياسي يقع على أي مكوّن مذهبي أو قومي أو سياسي.

أكاد أجزم بأن بعض الكتاب والمتحدثين المدافعين، صراحة أو ضمنيا، عن تنظيم ”داعش“ هم أميّون - مع سبق الإصرار - ولا يدركون حجم الثورة المعلوماتية!. إذ في الوقت الذي يتباهي التنظيم بإرتكابه المجازر الميدانية وقطع الرؤوس، ويبثها مباشرة عبر وسائل التواصل الإجتماعي، يصر بعض المعتوهين على استغباء الناس بتصوير ما يجري باعتباره ثورة شعبية!. هذا ينبئ بوضوح إلى أي حد يجري التلاعب بعقول الناس عبر هذا المستوى من الممارسة الغبية التي لا يمكن تفسيرها إلا بواحدة من اثنتين، فإما أن يكون هؤلاء المتحدثون مغفلون، أو أن من يصدقونهم هم جيش من المغفلين، أو الاثنين معاً!

وعلى قول صاحبنا أحمد مطر:

وكل ذنبي أنني آمنت بالشعر،
وما آمنت بالشعير،
في زمن الحمير!

كاتب سعودي