آخر تحديث: 29 / 3 / 2020م - 1:51 ص  بتوقيت مكة المكرمة

الاستقلالية الفكرية

جلال عبد الناصر *

تفيد الدراسات التي قام بها المهتمين بعلم النفس بأن عينة الأفراد البارعين في مختلف المجالات هم الأفراد الذين يمتلكون الاستقلالية الفكرية. حيث يمتازوا بخصائص سلوكية معينة كالعزيمة الحديدية التي لا تصغي للنقد ولا تخضع للضغط من قبل الأخرين، حيث إنهم مدركين تماماً لما يمتلكوا من قوة إضافة إلى عدم التشكيك في قدراتهم لأنفسهم.

ومن المؤكد بأننا جميعاً نسعى لأن نكون نحن وأبناؤنا ضمن عينة المبدعين، مما يعكس فينا نشوة الانتصار في الوصول لقمة هرم ماسلو. وهنا علينا أن نضع منهج الاستقلالية الفكرية ضمن الإطار التربوي في المنزل وفي العمل حتى يصبح ضمن البرتوكول الحياتي لدينا. ولكن ماذا نعني بالاستقلالية الفكرية؟... بكل بساطة هي مدى قدرة الإنسان في اعتماده على نفسه في اتخاذ القرار وتحديد مصيره، اعتمادا على قناعاته الشخصية التي اكتسبها خلال تجاربه، ورغبة في تأكيد ذاته. وبمعنى آخر أن تكون سلوكياته قائمة على قناعات شخصية وليست سلوكيات مكتسبة.

بدايةً نحن ندرك الأشياء من حولنا حسب مفهومنا الاجتماعي وعلى حسب خبراتنا التي نشأنا عليها. فعلى سبيل المثال قد تدرك مجموعة ما بأن قطعة حديدية تتمثل في خطين متقاطعين من المنتصف على أنهما علامة جمع، بينما ذهبت مجموعة اخرى على أنها إشارة للصليب، وهي ليست صليب وليست بعلامة جمع. بينما أصاب شخص آخر وتفرد عن المجموعتين ورأى بأنها عبارة عن مفتاح إطار السيارة. والفرق بين الثلاثة أن الشخص الثالث أدرك العلامة الدالة على أنها مفتاح الإطارات من خلال قيامه بفحص القطعة وليس من خلال خبراته، فقد أدرك جيداً الفتحات الموجودة في نهاية كل عمود إضافة إلى أنه لم يتسرع في الحكم مثل البقية، ولم تأخذه العاطفة في الميل مع رأي الاغلبية. حتما إنها الاستقلالية في التفكير لقد رفض بأن يكون إمعة أو أن يصادر الهبة التي خلق بها وهي مهارة الاستنباط وهي ما يجعلنا أكثر تميزا بالاستقلالية الفكرية.

بالعودة الى القرن السادس عشر سوف نجد أن جالليو هو أول من طبق المنهج التجريبي معتمدا على المنهج العلمي حيث اعتمد على الموضوعية والفحص متجردا من الإرث الكاثوليكي الذي تربى عليه وبذلك كانت نتائجه مبهره حينما بحث في الحركة النسبية وقام بوضع قوانين سقوط الاجسام واكتشف مجموعة من النجوم الجديدة لقد رفض جاليليو بأن يخضع لرأي المتدينين في إيطاليا وهم أنصار الكنيسة الكاثوليكية آنذاك. حيث استقل برأيه ودخل التاريخ من أعلى طابق في برج بيزا المائل. لقد ترك لنا جاليليو رسالة وهي: إن أردت أن تكون مبدعاً فعليك أن تملك فكراً مستقلاً وليس موروثاً أو مكتسب.

لقد دعى مؤسس علم النفس الحديث جون لوك الى الاستقلالية الفكرية ورفض الحجر على عقلية الفكر الانساني وفرض القيود عليه. وكانت أحد نتائج ذلك التوجه هو إسحق نيوتن الذي آمن بوجود الله حيث يقول ”الكون آله تسير بنظام دقيق ومن المستحيل ان تسير بدون صانع“.

لا تحتاج الاستقلالية الفكرية إلى مجهود مضني بل كل ما علينا عمله هو إعادة فرز معتقداتنا وتحليلها ثم البحث عن الدليل الذي يجعلنا نتحرك بناءا عليها بالرغم من غياب الدليل وهذه المرحلة هي ما يسميها عالم النفس ”بيك“ مرحلة دحض الافكار وصولا الى المرحلة الاخيرة وهي صياغة المعتقدات الايجابية التي من شأنها أن تجعل الانسان أن ينعم بسلام مع ذاته.

اختصاصي نفسي وعضو في جمعية التنويم المغناطيسي الامريكية.