آخر تحديث: 3 / 3 / 2021م - 1:14 ص

المجرم وشبه المجرم في فيلم الشعلة

سلمان محمد العيد

لعل من أهم نتاجات السينما الهندية العريقة فيلم «الشعلة» أو «SHOLY» هذا الفيلم الذي عرض في دور السينما الهندية لأكثر من عشر سنوات، في زمن طفرة السينما الهندية في السبعينات، في وقت كانت تنتج أكثر من 300 فيلم في السنة، وهو الفيلم الذي قيل  والعلم عند الله  بأن عددا من الجماهير الهندية انتفضت في بعض دور السينما، وقامت بتكسير بعض مقاعدها، لأن بطل الفيلم الأبرز قد قتل، ولا يجوز  في عرف المشاهد الهندي  أن يموت البطل.

وقد اعتبر هذا الفيلم  حسب موقع ويكيبيديا  أقوى إنتاج سينمائي في تاريخ صناعة الأفلام الهندية حتى الآن، فقد بلغ من السمعة والشهرة أن المنطقة التي تم تصويره فيها تحوّلت إلى معلم سياحي على ذكرى الفيلم الذي تم إصداره في 15 أغسطس 1975

إضافة إلى دبلجة الفيلم لأكثر من لغة وهي  حسب علمي  «العربية والفارسية، والانجليزية» فقد وضعت جريدة إنديا تايمز الفيلم في عام 2005 ضمن قائمة «25 فيلما يجب مشاهدته في بوليوود»، وفي السنة نفسها تم منح الفيلم جائزة أفضل فيلم في 50 عاما، في مهرجان فيلم فيرفي دورته الخمسين بالهند، كما تصدر الفيلم استطلاع معهد الفيلم البريطاني ل «أفضل عشرة أفلام هندية» في كل العصور.

وأظن أن من عوامل نجاح هذا الفيلم، واستمرار سمعته حتى اليوم، هو أبطاله وهم: أميتابباتشان، دهارميندرا، هيماماليني، سانجيفكومار، جايابهادوريوأمجدخانوجميعهم يمثلون مرحلة هامة في تاريخ السينما الهندية، إذ لم يكن هذا الفيلم معتمدا على بطل واحد، وإنما أكثر من بطل، وأدوار تتكامل فنيا مع بعضها، بحيث لا تستطيع أن تقول بأن هذا الفيلم يحكي قصة هذا البطل دون غيره.

الفيلم، إذا شئنا أن نتحدث عن قصته  فهو يتحدث عن قرية رامبور كمثال للمجتمعات الهندية الريفية النائية، كانت خاضعة لظلم وجبروت مجرم يدعى جبار سينغ، الذي فرض  في ظل غياب كلي للسلطة السياسية والأمنية  أتاوة على سكان القرية الفقراء، يأخذها جلاوزته بين فترة وأخرى، وقد أتعب الحكومة بكثرة جرائمه، حتى أنها خصصت مبلغا ماليا ضخما، لمن يساعد في القبض عليه، فمن جرائمه أنه قام بقطع ذراعي المفتش ثاكور «سانجيفكومار» وقتل كافة أفراد أسرته، لأن هذا المفتش ارتكب جريمة كبيرة بحقه هذا المجرم حينما ألقى القبض عليه وسلّمه للشرطة، لتحكم عليه بعشرين سنة مع الشغل والنفاذ.

المفتش ثاكور الذي بات معوقا  بعد قطع يديه  ولا يستطيع الدخول في معارك مع المجرمين، استعان باثنين من اللصوص جايوفيرو «أميتابباتشان، دهارميندرا»، كانا معه في القطار وتعرضوا جميعا لهجوم من قبل قطّاع الطرق، وقد لفتت نظره شجاعتهما وقوة أبدانهما، مما حدا به أن يتفق معها كي يقوما بمهمة اصطياد جبارسينغ مقابل عشرين ألف روبية، بالإضافة إلى المكافأة التي أعلنت عنها الشرطة مقابل المساعدة في القبض على هذا المجرم.. في البداية وافقا على أداء المهمة من أجل المال، ولكن حينما عرفا السبب الحقيقي الذي دفع ثاكور للانتقام من جبار، رفض االمبلغ المادي من ثاكور، وقرّرا أداء المهمة بدافع إنساني، ولذلك عاشا في القرية الصغيرة، التي هي بلدة المفتش ثاكور كأهلها، وقد تعرف الاثنان إلى فتاتين، أحدهما تعمل على عربة يجرها حصان واسمها باسنتي، والأخرى هيكنة ثاكور التي مات زوجها على يد جبار سنغ، وعاشت وضعا كئيبا بسبب الحادث.

دخلا معا في صراع مع جبار سنغ، وتمكنا من قتل عدد من أفراد عصابته، وتمكنا من منعهم من أخذ الأتاوة المفروضة على أهالي القرية، ولكن وفي معركة دامية يقع فيرو «دهار ميندرا» في شبكة جبار، خلال محاولته إنقاذ حبيبته باسينتي من أسرهم، فيأمرها جبار لأن ترقص كيلا يقتل حبيبها المقيد بالسلاسل، فتلتزم لطلبه، فيطلب جبار من أحد أفراد العصابة بأن يلقي زجاجا مكسّرا تحت أقدامها ليعجزها عن الرقص، لكنها وخوفا على حبيبها فيرو رقصت على الزجاج حتى سال الدم من قدميها، وفي هذا الأثناء قدم جاي «اميتاب باتشان» وتمكن من إنقاذ صديقه مع حبيبته، ويتمكن الجميع من الفرار من سطوة جبار، الذي لم يشأ تركهم بل بعث أفراد عصابته باللحاق بهم والقضاء عليهم، فتجري معركة أخرى، تجلّت فيها حالة الوفاء بين الأصدقاء، إذ اختلفا حول من الذي يبقى في المعركة ومن الذي يذهب لطلب النجدة من أهالي القرية، فكل واحد يطلب من الآخر أن يذهب، فاقترعا على ذلك وأستخدم جاي قطعة نقود مغشوشة حتى يفدي صديقه فيرو، ويبقى هو في أتون النار والرصاص، ولكن عندما عاد فير ووجد صديقه في الرمق الأخير وحاول إنقاذه ولم يتمكن قد مات في حضنه، لينتفض غضبا وغيظا ويذهب إلى موقع جبار ويقتحمه ويقتل كل من يليه حتى يصل إلى جبار ويتعارك معه، ويعطيه عددا من لكماته، ويتمكن من إلقاء القبض عليه حيا، وبينما هو يهم بقتله انتقاما لصديقه، إذا بالمفتش ثاكور قد حضر طالبا تسليم المجرم حسب الاتفاق، ولم يستطع فيرو التملص من الوعد لأن صديقه جاي هو الذي أعطى الوعد، فسلّمه له، ليقوم المفتش وهو مقطوع اليدين بالهجوم، وبأقدامه تمكن كسر يدي جبار، وما أن همّ بالفتك به وإرساله مع عالم الموتى جاءته الشرطة وأخذته ليقوم القانون بمعاقبته.

وقد قيل  وحسب موقع ويكيبيديا أيضا  بأن ثمة نسختين من الفيلم لكل منهما نهاية مختلفة، ففي النسخة الأصلية ظهر المفتش ثاكور وهو يقوم بالانتقام من جبار سينغ عن طريق الدوس على ذراعيه بحذاء مملوء بالمسامير خصصه لمثل هذا اليوم، هذا المشهد أحدث ضجة في الأوساط الحكومية، لأنه أظهر رجل الشرطة هو يأخذ القانون بيديه، ويثأر لنفسه «وهذا ما لم ترض عنه الرقابة الهندية لأنه يومئ للمشاهدين بالثأر لأنفسهم وعدم الاعتماد على القانون ليتخذ مجرى العدالة»، فنتج عن ذلك نسخة أخرى بنهاية مختلفة يظهر فيها المفتش ثاكور وهو يقوم بالقبض على المجرم جبار ويسلمه لأيدي القانون.

تلك قصة فيلم شعلة، التي ما زال بصمة في السينما الهندية، التي لم تنتج حتى هذه اللحظة بمستوى هذا الفيلم، والذي تظهر منه عدة نتائج يمكن استخلاصها من تلك القصة:

أولا: حالة الوفاء بين الأصدقاء، فالثنائي «جاي وفيرو»، كانا إذا اختلفا اقترعا، وسارا بموجب القرعة، ولكن في لحظة حاسمة من المعركة فضّل أحدهما أن يضحي بنفسه من أجل صديقه، وقد لجأ إلى ”الكذب النظيف“ من أجل إنقاذ صديقه، فزيّف عملة القرعة من اجل ذلك، فهذا الموقف يجسد قمة الإخلاص للصداقة.. وتلك قيمة إنسانية ينبغي أن تسود في المجتمع، وهي التي يمكن أن تقاوم الجريمة، وتحقق التكافل في المجتمع.

ثانيا: أراد الفيلم  كما يبدو لي  أن يوصل فكرة للجمهور بأن الإنسان لم يخلق مجرما، وإذا صار مجرما لسبب أو لآخر، فلا يعني هذا نهاية المطاف، كما أن هناك فرقا بين مجرم شقي مثل جبار سينغ، يعالج الخطأ بالخطأ، والدم بالدم، ويأخذ البريء بجرم المجرم، يختلف عن مجرم يأمل في التوبة والصلاح مثل «جاي وفيرو»، اللذين بلغا بهما الأمر أن انحازا لجبهة الخير ضد الشر الذي يمثله جبار سينغ وعصابته، وتركا هدفهما الأول وهو المال، وتخلى كل منهما عن السرقة.. فكل شيء درجات ومراحل، حتى في مستوى الجرائم والمجرمين، فهناك من يظلم نفسه، وهناك من يظلم نفسه وغيره في آن واحد.

ثالثا: إن لمقاومة الظلم والجور ضريبة وربما كانت ضريبة كبيرة، لكنها لا تقارن مع ضريبة الرضوخ له، فأهل القرية تحمّلوا ضيم وجور جبار سينغ، لكنهم وجدوا في الرجلين «جاي وفيرو» منقذا لهم، ومع ذلك هناك من كان يرفض المقاومة، وهذه حالة تحصل في أي زمان ومكان فهناك ظالم ومظلوم وهناك عملاء للظالم بمقابل، وهناك عملاء بدافع خوف وجبن ينفذون رغبة الظالم بدون مقابل، فقد حدث أن بعض أهالي القرية طلبوا منهما الخروج، أو التسليم إلى جبار سينغ، ولكن في المقابل كان هناك رجل دين ضرير قتل أبنه الوحيد من قبل رجال جبار، فحمد الله، وذهب إلى المسجد يدعو الله أن يرزقه ولدا آخر كي يكون شهيدا في معركة الحق مع الباطل.

رابعا: إن سيادة الجور لا تعني إلا المزيد من الضحايا، حيث لا ينجو منه أحد، فالمجرم جبار سينغ دخل معركة مع المفتش ثاكور، وهي معركة بين أثنين رجال في ساحة المعركة، بيد أن المجرم «وهو هنا رمز لكل ظالم» لم يعرف ذلك المعنى فقد قتل كافة أسرة المفتش من النساء والرجال وحتى الأطفال، وهذا يعطي دلالة على أن المستبد يأخذ البريء بجريرة المذنب، ومن تستحكم في نفسه عقيدة الظلم والاستبداد فإن نطاق جرائمه لا يكون محدودا أبدا، فهو يقتل ويحرق، بل يقتل حتى أفراد عصابته إذا ما بدا منهم أي تقصير من وجهة نظره.

خامسا: لقد كانت المعركة في الفيلم بين الحكومة وممثلها المفتش ثاكور، وعصابات الإجرام وممثلها جبار سينغ، وما أن انتصر هذا الأخير بقطع ذراعي المفتش، غاب الطرف الحكومي في هذا الصراع، واكتفت الحكومة بالإعلان عن مكافأة مالية لمن يقبض على المجرم، بينما تركته يعربد في الساحة ويقتل ويدمر، ولم يكن تدخلّها إلا أخيرا بعد أن تمكّن الأهالي «وممثلها ثاكور نفسه الذي لم يعد ذا صفة رسمية، مع كل من جاي وفيرو وأهالي القرية» من إلقاء القبض عليه جاءت تدعو إلى تطبيق القانون، بينما هي غائبة طوال ذلك الوقت.. وأجد أن الفيلم أراد الإشارة إلى سلبية الحكومة وإيجابية الأهالي من جهة، وضرورة أن يكون المواطن شريكا في الحفاظ على الأمن ولكن ضمن حدود معينة من جهة أخرى.

أظن أن معاني أخرى ينطوي عليها الفيلم، بعضها كانت أساسية ضمن القصة، وبعضها كانت هامشية خارج إطار القصة.. وقفة مختصرة لكنها مهمة مع فيلم «شعلة».