آخر تحديث: 29 / 1 / 2020م - 1:28 ص  بتوقيت مكة المكرمة

«سيناريو» الحرب على إيران

أحمد العلي النمر

منذ أكثر من ثلاثين سنه وأميركا تحاول استعادة فردوسها المفقود «إيران» بعد أن عصفت الثورة الإسلامية بعميلها المدلل «الشاه»، وقد استشعرت خطورة تلك الثورة عليها وعلى مصالحها في العالم منذ أن حطت قدما الأمام الخميني ق. س على ارض مطار طهران وحفت به تلك الملايين المبتهجة بالانتصار الكبير، وبقدر هذا الفرح الإيراني بهذا النصر كانت أمريكا تتجرع غصص هزيمتها النكراء في تلك البقعة الاستراتيجه التي لم تتخيل يوما أنها ستطرد منها بهذه الطريقة المذلة.

منذ ذلك اليوم وأمريكا لم تتوقف عن محاولة القضاء على النظام الإيراني وجربت كل تقنياتها العلمية وخبرتها التجسسية وألاعيبها و«فتنها» ولكنها لم تفلح في شيء من ذلك، بل أن كثيرا منها عادت عليها بشكل عكسي، كحرب المقاطعة الاقتصادية و«التقنية» وعملية «طبس» الفاشلة والحرب العراقية الإيرانية التي كان من إفرازاتها أن يحتل صدام حسين دولة الكويت ويهدد السعودية، فتضطر أمريكا إلى طرده منها، وكلفها ذلك أن تدخل المعركة بشكل مباشر وتحتل العراق، ثم تضطر للخروج منه ذليلة خاسئة بعد أن فشلت في زرع نظام عميل تعتمد عليه.

وفي هذه الأيام تحاول أمريكا بشكل جاد افتعال حرب جديدة ضد إيران، وكالعادة تحرص على أن يساهم حلفائها معها في هذه الحرب، وبالذات الدول الخليجية المجاورة لإيران التي لا تملك أن تقول لا... وللأسف الشديد هناك بين العرب والمسلمين من يتفاعل ايجابيا مع هذا التوجه، ويعيش حالة من الأحلام والأمنيات في أن تشن أمريكا حربا على إيران وتزيلها من الوجود، ولكن الأحلام والأماني شيء والواقع على الأرض شيء آخر.... ولو - لا سمح الله - حدثت حرب فإن اكبر المتضررين هي الدول الخليجية المجاورة لإيران... والحرب ليست مباراة كرة قدم تنتهي بفوز احد الطرفين أو تعادلهما، الحرب الحديثة تعني الدماء والخراب والفقر والمرض والتخلف وربما خسارة الأوطان إلى الأبد... وفي حال اشتركت الدول الخليجية مع أمريكا في حربها مع ايران فإنها - هذه المرة - ستكون كارثية عليها بغض النظر عن نتيجة الحرب التي لن تخرج عن إطار الفرضيات التالية: -

1 - هزيمة إيران

من السذاجة أن نتصور أن هزيمة دولة مثل إيران ستكون سهله... ولعل اخطر يوم يمر على دول الخليج في تاريخها هو عندما تبدأ أمريكا هجومها عن طريق قواعدها في تلك الدول، لأنها ستكون أهداف سهلة للقوات الإيرانية التي لا تفصلها عنها إلا كيلومترات قليلة، كما أنها لن تسلم من النيران «الصديقة» التي كثيرا ما ارتكبتها الطائرات والصواريخ الأمريكية وراح ضحيتها المئات من الأبرياء، ولن تسقط إيران عسكريا إلا بعد أن تتحول المنشآت العسكرية والصناعية والتجارية على ضفتي الخليج إلى ركام وخراب يعود بها إلى الوراء عشرات العقود الزمنية، والى أن يتحقق الانتصار سيضطر سكان تلك المناطق الذين اعتادوا حياة البذخ والرفاهية إلى الهجرة مؤقتا ولا ندري كم ستستمر هذه الحرب هل هي «ثمان» سنوات أم أكثر أم اقل؟، وأين سيسكنون هل في فنادق وشقق خمس نجوم؟ أم لاجئين في مخيمات؟ ومن هي الدول التي ستستضيفهم وتنفق عليهم، وهل يا ترى سيرضخ الشعب الإيراني بالهزيمة بكل سهوله... لقد شاهدنا في الحرب العراقية الإيرانية الماضية كيف أن النساء والشيوخ يحملون السلاح جنبا إلى جنب مع الجيش النظامي وحرس الثورة وشاهدنا كيف ساهم الجميع وبروح معنوية عالية في الدفاع عن أرضهم بكل غال ونفيس - رغم ضعف الإمكانيات آنذاك -،..... وعلى أية حال لن تستفيد الدول الخليجية من هزيمة إيران لأن أمريكا - كما علمنا التاريخ - ستستفرد «بالكعكة» كاملة لنفسها.

2 - لا غالب ولا مغلوب

في حال لم تستطع أمريكا هزيمة إيران فإن الكارثة أيضا ستقع على الدول الخليجية المجاورة لها، لأن فشل أمريكا الدولة العظمى في هزيمة إيران «الدولة النامية» هو انتصار لإيران لأنها استطاعت الصمود أمام هذه القوة المتغطرسة، وبلا شك ستكون الدول الخليجية التي ساعدت أمريكا في حربها على إيران في موضع المعتدي الذي يتحمل تبعات اعتدائه، وسيعطي لإيران ذريعة رد الصاع بصاعين لهذه الدول المجاورة لها ولا أدري كيف سيقر لهذه الدول جفن وجارها الجريح والمُعتدى عليه بمساعدتهم يتربص بها الدوائر.

3 - تصالح الطرفين

أحيانا إذا طال أمد الحرب وشعر كل طرف انه لا يستطيع أن يهزم الآخر يكون الحل الأمثل في التفاهم على هدنة قد تؤدي إلى التصالح والصداقة، وربما تحتاج تلك الصداقة إلى تعزيز الثقة، فيقدم كل طرف للآخر بعض التنازلات كـ «عربون للصداقة»، وقد تقتضي المصلحة أن تغض أمريكا الطرف لإيران أن تتمدد بشكل أو بآخر في مناطق استراتيجية على الساحل الشرقي للخليج وأن تصدر ثورتها وأفكارها بشكل ممنهج ومنظم وعلى المكشوف، وهذا عين ما كانت الدول الخليجية تخشاه وتبذل المليارات من ميزانياتها لمنعه.

هزيمة أمريكا

صحيح انه لا يوجد مقارنة بين إمكانيات إيران الدولة التي لا تزال في طور البناء والتكامل، وبين أمريكا التي تمتلك كل مقومات الانتصار... عسكريا واقتصاديا وإعلاميا وحلفاء وفيتو ومجلس أمن... الخ، إلا أن التاريخ وسننه يزخر بالعديد من الشواهد عن حضارات ملكت الدنيا ولم يبق منها إلا آثار ينعق عليها الغربان، وأمريكا ليست مستثناة من هذه القاعدة وليس من المستحيل أن تُهزم، وهزيمة أمريكا تعني هزيمة كل من وقف معها وساندها وقدم لها القواعد العسكرية، وهي هزيمة لمعتدِ جاء من وراء البحار بقصد الاستعمار ونهب الثروات لذلك يكون الانتصار عليه انتصار يختلف عن انتصار بين جارين على حدود أو مناطق نفوذ، انتصار يعني ولادة قوة عظمى شابة وفتية تنشد الاستقرار وتسعى كحضارة ناشئة إلى امتلاك مناطق نفوذ وامتياز وموارد اقتصادية خارج حدودها، وسيكون أقل استحقاق يمكن أن تطالب به هو أن تسيطر على مناطق النفوذ التي كانت لخصمها المهزوم والتي وقع عليها الهجوم منها.

من أقوال الرئيس الأمريكي أيزنهاور عن الحرب

«في كل مرة تصنع فيها بندقية، في كل مرة تنطلق سفينة حربية، في كل مرة ينطلق فيها صاروخ موجه فإنني أحس أن سرقة ما حدثت من طعام الجوعى، ومن عقول العلماء ومن آمال الأطفال ومن أغطية المشردين.. إن هذا العالم بين رحى الحروب لا ينفق المال فقط.. إن الناس في هذا العالم كأنما صلبوا على صليب من نار».