آخر تحديث: 23 / 9 / 2020م - 1:44 ص  بتوقيت مكة المكرمة

الأزهر والدور الجديد

يوسف أحمد الحسن * صحيفة الدار الكويتية

ربما لم يتصور أحد قبل بضعة اشهر أن يعود للأزهر الشريف ألقه السابق ودوره في الساحة الإسلامية في العالم بعد أن تم تغييبه أو إضعاف دوره عن الساحة قبل عقود عندما صدر قانون تنظيم الأزهر عام 1961 والذي جرده من بعض سلطاته وربط التعيينات الأساسية فيه برئاسة الجمهورية مثل تعيين شيخ الأزهر ووكيله ورئيس جامعة الأزهر وعمداء كلياتها، والقيادات العليا لأجهزته كالمجلس الأعلى للأزهر ومجمع البحوث الإسلامية. لكن اندلاع ثورة 25 يناير شكل انطلاقة جديدة لهذا الصرح العلمي يتوقع أن تعيد له دوره التاريخي منذ تأسيسه قبل نحو ألف عام.

ويعتبر إصدار وثيقة الحريات العامة من أفضل التجليات لهذا الدور الجديد الذي يستعد الأزهر لتبوئه في مرحلة ما بعد 25 يناير. فالوثيقة التي تشتمل على بنود تتضمن الحديث عن حرية المعتقد، حرية البحث العلمي، حرية الرأي والتعبير، حرية الإبداع الفني، تعبر عن المرحلة الجديدة التي يمر بها الأزهر الشريف كطليعة للحراك الشعبي في مصر.

فالأزهر الذي طالما عانى من محاولات لتغييب دوره عن الساحة السياسية والشعبية في مصر وفي العالم العربي والإسلامي، ومحاولات تاريخية لجعله مجرد أداة سياسية، لم يتأخر عن استعادة دوره عندما سنحت له الفرصة.

فعلى صعيد حرية المعتقد هناك تأكيد على الالتزام بالحرية والتعددية الدينية في البلاد والابتعاد عن الفتن الطائفية. وهو تأكيد جميل للغاية وإن كان بحاجة إلى التأكيد على جوانب أخرى تتعلق بالبيت الإسلامي وما يتعلق منها بالاعتراف بالتعددية المذهبية والتعايش المذهبي. فالوثيقة وإن كان المقصود بها الداخل المصري، إلا أنه يمكن اعتبارها أساسا لوثيقة تاريخية تشمل جميع المسلمين في أنحاء العالم.

وعلى صعيد البحث العلمي تعتبر دعوة الأزهر لحرية البحث العلمي دعما منه لانطلاقة المجتمع المصري نحو التطور العلمي والتكنولوجي وتشجيع الأبحاث العلمية، وذلك لكي تتبوأ الأمة مكانتها داخل الأمم المتقدمة.

أما على صعيد حرية الرأي والتعبير فهو ما أكدت عليه الوثيقة وعلى الجوانب المتعلقة بحقوق الإنسان. وإذا ما تم تأصيل وتثبيت هذا الجانب فإن الكثير من المعاناة التي تحملتها الأمة خلال العقود المنصرمة من كبت وقمع للحريات سوف تصبح في ذمة التاريخ. وقد كان البند الرابع المتعلق بحرية الإبداع الفني مثار إعجاب وترحيب من قبل العديد من الفعاليات والجهات الفنية التي تعج بها مصر. وقد لقي هذا البند بالفعل الترحيب الكبير من قبل نخبة من الفنانين الكبار والذي توجس بعضهم خيفة من التوجه الجديد لمصر مع نتائج الانتخابات التشريعية.

وسوف يساهم صدور هذه الوثيقة في رسم خارطة طريق واضحة ومتألقة لما ستكون عليه مصر المستقبل. صحيح أن هناك جهات مختصة بصوغ دستور جديد للبلاد بحسب نتائج الانتخابات التشريعية، لكن صدور الوثيقة وفي هذا التوقيت يعطي رأيا واضحا وخطوطا عامة لرأي أهم مؤسسة دينية في مصر، كما يشكل ضغطا معنويا قويا على كاتبي الدستور، خاصة وأن حزب الحرية والعدالة وهو الحاصل على أعلى نسبة في انتخابات مجلس الشعب قد أيد الوثيقة في تصريحات لبعض مسؤوليه.

كما تبعث الوثيقة برسائل متعددة إلى أكثر من جهة داخلية وخارجية. فهي تطمئن الأقباط في الداخل المصري، كما تطمئن الجهات المرتابة من التوجهات المستقبلية لمصر مثل الفنانين بمختلف تخصصاتهم وتوجهاتهم إلى ما يرتئيه الأزهر حولهم ويساهم إلى حد كبير في طمأنة الدول الأخرى وشركات الاستثمار حول مستقبل وجودهم في مصر.

 ويشكل التأييد الذي حظيت به الوثيقة من قبل عدد كبير من الشخصيات والقوى السياسية والمرشحين المحتملين لرئاسة الجمهورية والكتاب والأدباء والفنانين دافعا أكبر نحو تبني خطوطها العامة في الدستور المصري القادم، وهو ما يشجع أيضا على اعتبارها شأنا عربيا وإسلاميا عاما ولجميع الدول العربية والإسلامية.