آخر تحديث: 20 / 8 / 2019م - 10:49 م  بتوقيت مكة المكرمة

عندما يكون الدين بلا انسانية!

حسين العلق *

موقفان وقعا على نحو متزامن تقريبا، ربما اختزلا كامل المشهد. إذ في الوقت الذي تم الإعلان عن نجاح جامعة هارفارد في التوصل لعلاج النوع الأول من مرض السكري، الأمر عدّ بمثابة فتح علمي كبير، ينقذ ملايين البشر حول العالم. على الضفة الأخرى، خرج علينا رجل الدين اليمني عبد المجيد الزنداني الذي سبق أن ادعى التوصل إلى علاج لمرض الايدز، خرج بتغريدة عبر حسابه في تويتر قال فيها ”أتتني أخبار من مصدر موثوق بأن الحوثيين يحاولون معرفة وصفة علاج الإيدز للإستغلال التجاري، الوصفة بالحفظ والصون ولن يستفيد منها غير المسلمين“. الأمر جدُ واضح، هارفارد تهدف لإنقاد ملايين البشر، والزنداني يخصص علاجه للمسلمين فقط!. هذا المثال العابر ربما طرح مسألة علاقة الدين بالإنسانية في بعدها الأشمل، خصوصا في ظل صعود التنظيمات الإرهابية التي أهلكت الحرث والنسل.

يمكن القول بكل راحة ضمير بأن المتدين المتطرف لا يمت للإنسانية بصلة. فهو لا يكاد يرى في مليارات البشر في هذا العالم إلا كائنات معادية لا تستحق الحياة!. ولذلك، فهو ليس مستعدا لتسخير كشفه الطبي المزعوم لخدمة البشرية فحسب، كما في مثال الزنداني أعلاه، وإنما يسعى جاهدا لإيقاع أوسع خراب ممكن للبشرية فيما لو تمكن من ذلك.

المتدين المتطرف يسخّر الدين لخدمة أهدافه وعقده النفسية. المتطرف أيا كان دينه أو مذهبه أو اتجاهه السياسي لا يسعى في حقيقة الأمر لخدمة الدين ولا هداية الناس كما يزعم، فضلا عن بعده التام عن خدمة البشرية، وإنما العكس هو الصحيح فهو يبحث عن تفسير ديني يستجيب لعقده النفسية ويخدم أهدافه الضيقة، ولذلك يستميت في تطويع مفاهيم الدين بما يتوافق مع عقده واهدافه. من هنا وتحت يافطة الدفاع عن الدين وعن رب العالمين، هو مستعد دائما لتصفية حساباته الشخصية والفئوية مع الآخرين، من الأقربين والأبعدين،.. حتى لو داس في طريقه كل قيم ومبادئ السماء والأرض!

مؤسف حقا أن الدين الذي جاء لعمارة الأرض وتعارف البشر حوله المتطرفون لخراب الديار واشاعة البغضاء بين الناس. حقيقة الأمر ان هذا الخراب وهذه البغضاء ليست وليدة الساعة، فهي موجودة منذ قرون في بطون كتبنا العتيقة والمغبرة، حتى إذا جاء من ينفض عنها الغبار، وجدنا أنفسنا أمام جحافل من البرارة الغزاة يهلكون الحرث والنسل، في منطقتنا والعالم، تحت مزاعم الدفاع عن الدين واقامة الخلافة.

دعنا نعترف بحقيقة ان التنظيمات الإرهابية الصاعدة اليوم هي ثمرة خبيثة لعملية فصل الدين عن بعده الإنساني. ذلك ان أي خطاب ديني عدواني لا يجد في المغايرين عنه، سواء من هم في دائرته الدينية أو خارجها، إلا خصوما وأعداءا مفترضين، هذا الخطاب، لا محالة، سينتهي في نهاية المطاف إلى اشاعة الخراب والدمار.

من هنا يمكن القول، أن الدين الذي لا يقر بحق كل إنسان في هذا العالم في الحياة على قدم المساواة من نظيره الإنسان، بغض النظر عن اللون والعرق والدين، هذا ليس دينا سماويا، بقدر ما هو عقيدة فاشية تتدثر بدثار الدين. من أسف أقول ان المتطرفين جعلوا شعوبنا بين خيارين: انسانية بلا دين.. أو دين بلا انسانية!. والسؤال، ماذا لو قال علماء الطب والأحياء الدقيقة في الغرب، بأن علاجاتهم مخصصة للمسيحيين فقط؟! أظن لو حصل مثل ذلك فلربما لايزال الزنداني وأضرابه يتعالجون بالرقى والكي ومخلفات الأباعر!

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
أبو محمد
[ القطيف ]: 15 / 10 / 2014م - 3:11 م
لو كل كلمة طلعت من شخص وبنيت عليها قاعدة ..!!
ضاعت المفاهيم وعملية التعقل برمتها ..!!؟
كاتب سعودي