آخر تحديث: 3 / 3 / 2021م - 9:13 ص

مجتمع سعودي متناقض!!

سلمان محمد العيد

لا أظن أن مجتمعا في الكرة الأرضية يعيش تناقضات يومية على مختلف الصعد، مثل مجتمعنا السعودي الكريم، الذي يحمل في ذاته ”القابلية“ للذوبان والتشظي والتهالك.. والشواهد على ذلك كثيرة.

 نتألم لآلام الضعفاء في العالم، بكينا على اللبنانيين والعراقيين والبوسنيين والصوماليين، لكننا  للأسف  لا نرحم الضعفاء لدينا، فلا نرحم المرأة، ولا الطفل، ولا العامل، خصوصا العمالة المنزلية.. إننا نتحدث عن العدالة الاسلامية ونمارس عكسها بحق أولادنا وابناء جلدتنا، فمن يكن قويا في بلادنا  على أي صعيد  لا يرحم من هو أضعف منه..

 اذا جاء مسؤول يتحدث عن إدارته لا يتوقف عن القول بالتخطيط والإجراءات المحكمة، والالتزام بالخطط الخمسية التي اعلنتها الحكومة الرشيدة، والنتيجة إننا بعد كل تلك الخطط الخمسية والعشرية والعشرينية لدى تلك الوزارات نعاني من بطالة وتضخم وفقر، ومستوى من الخدمات يتواضع يوما بعد يوم، حتى بتنا في وضع مقارنة مع الشقيقات الأصغر منا مثل قطر والبحرين والكويت والامارات، بل حتى الاردن واليمن والمغرب، وبالمناسبة كل هذه الشقيقات تفوّقت علينا في كثير من الخدمات، شاهد واحد على ذلك هو المطارات والموانيء.

 وإذا جئنا الى الموضوع الديني والثقافي، تجد كل التناقضات، فبعض المثقفين يجلب لرأسك الصداع بالحديث عن الحرية والحوار واحترام الآخر، وإذا ”حقت حقايقها“ تراها عنصريا وطائفيا ومستبدا، وعليك بقراءة سيرة كبار مثقفينا المحترمين، ولا داعي للأسماء، فأنا  وللحق  أخاف منهم، واخشى الدخول في مصادمة مع أحدهم، فهو لن يرحم أحدا، بالحق تارة، والباطل كثيرا، لمجرد أن تتعرض بالنقد لفكرة جاء بها في مقالة أو قصة.

وقد تجد بعض أبناء هذا البلد الكريم ”متزمّتا“ في الالتزام بالصلاة والصيام والزكاة والحج، لكنه  في الوقت ذاته  لا يتورع عن ظلم إخوانه الورثة، وجيرانه بالجنب، هذا إذا لم يمارس المحرّمات الآخرى، يدعو الناس للصلاة وهو لم يصلّ بعد..

يتحدث الواحد منا عن الوطنية لكنه يمارس الطائفية بحق من يختلف معهم، والعنصرية «تجاه من يراهم أقل منه اصلا»، والمناطقية والقبلية، تجاه ابناء جلدته، لذلك تشيع في مجتمعنا المسلم المتدين مصطلحات هدفها التصغير والاحتقار لفئات من هذا الوطن الكريم مثل: ”النجارنة، البحارنة، النخاولة، مخلفات الحج، صفر سبعة، الجاوة، طرش البحر، العبيد“.. نتحدث عن احترام الآخرين ونحن لا تحترم احدا، نتكلم عن التواضع ونحن متغطرسون بدون مبرر!

إن من الغريب حقا أن تضطر حكومة بلادنا وهي بلاد الحرمين الشريفين، ومأوى المسلمين، ومصدر الرسالة السماوية، لأن تشكل هيئة وطنية لمكافحة الفساد، مثلها مثل هيئة مكافحة التدخين والمخدرات، علما أن هذا الفساد وهو تعبير مؤدب ومهذب ومشذب لمسميات السرقة والرشوة والكذب والغش وأكل حقوق الناس، وهذا الفساد الذي تقاومه الهيئة التي اطلق عليها ”نزاهة“ هو ذلك الموجود في الدوائر الحكومية، بمعنى أنه ضارب في العظم، أي في أصل كيان الدولة، في الوزارات والمصالح الحكومية..

اليس هذا تناقضا رهيبا بين أن نكون مجتمعا اسلاميا وبين هذا الوضع المزري؟!

فالسارق من أي دائرة حكومية يختلف عن ذلك الذي يسرق في السوق او في البنك «وكلاهما سرقة وحرام شرعا وقانونا»، فالسارق من وزارة الصحة تظهر آثارها في تعثر المشاريع، أو ان مستشفى في تاروت  على سبيل المثال  مرّ على اغلاقه وتسويته بالأرض أكثر من خمسين عاما، ولا تزال ميزانيته تصرف كل عام، تشمل المبنى والأطباء والممرضين والعمالة، في حين ان تاروت تحظى بالخدمة الصحية من خلال مبنى مستأجر.. والسارق في البلدية تظهر نتائج سرقته في شوارع غير مزفلتة، وكباري ترغب في معانقة الأرض، وجسور ذات جودة متواضعة للغاية، مثل الجسر والنفق الواقعين على طريق الملك فهد «ابن خلدون سابقا».. ونقول إننا مجتمع إسلامي!

 حكومتنا الرشيدة تتبنى حوار الأديان في العالم، وتلك لعمري خطوة رائعة على الصعيد الإنساني، لكننا  للأسف  لدينا معضلة حوار مذاهب واجتهادات، ولدينا فئات تعاني من التهميش والتمييز بسبب انتمائها المذهبي، والشواهد على ذلك كثيرا، والتناقض واضح بعينه.. لا يتوقف اعلامنا عن انتقاد دول بعينها في موضوع التمييز ضد السنة العرب، لكننا نقوم بالفعل نفسه وبصيغ مقاربة، إذ يكرر علماؤنا الأفاضل عن حقوق المسلمين السنة في ايران والعراق، وهذا شيء لا خلاف عليه، ويكررون مقولة عدم وجود مسجد واحد للسنة في طهران، وهذه نقطة هامة أيضا، لكن علماءنا  أيدهم الله  نسوا أن هذا الإشكال نفسه وارد علينا، بدليل عدم وجود مسجد واحد للشيعة في الرياض ولا في جدة ولا في مكة المكرمة.. رغم إن الاسلام واحد والعبادة واحدة، والمسجد وجد لعبادة الله للسني والشيعي، والمسجد للكل يقصده عباد الله، كما هو موجود  ولله الحمد  في المجمعات التجارية في المنطقة الشرقية..

 ينتقد اعلامنا الرسمي وغير الرسمي تنظيم الدولة الاسلامية «داعش»، في حين أن العشرات من السعوديين يقاتلون معه، والمئات منهم يدافعون عنه، والالاف الذين يدعمونه، وتهللوا فرحا حينما وصلت جحافله الغازية الموصل في العراق، لكنهم وقعوا على سوأته حينما مارس القتل والفتك والاغتصاب، بحق المسلمين قبل الكفار، وبحق السنة قبل الشيعة.

 تلك عيّنات من تناقضات مجتمعنا السعودي الكريم، الذي احتفل قبل اشهر بيومه الوطني الخامس والثمانين، اليس مؤسفا اننا بعد ثمانين عاما نتحدث عن بطالة وفساد؟؟

أليس مؤسفا إننا وبعد هذه الأعوام من الوحدة نجد من يتحدث عن أشخاص ليس لديهم ولاء للوطن، وإن هناك من يتحدث بلكنة طائفية وعنصرية؟

اليس من الغريب حقا أن بلادا عظيمة ذات وزن عالمي، ومن الدول العشرين الأكثر نموا من الناحية الاقتصادية، ونجد من المواطنين من لا يمتلك منزلا، وأن هناك احياء فقيرة، في العاصمة الرياض، فضلا عن الأطراف في الجنوب والشرق، أو نجد بلدة مثل راس تنورة أوالعوامية وكلاهما قريبان جدا من آبار النفط وليس لديهما منشأة رياضية مثل العالم والناس..

طبعا سوف يظهر لي من يتحدث عن المنجزات التنموية، وهي حقيقة نراها ماثلة ولا أنكرها ولا ينكرها غيري، لكن هذه المنجزات في ظل وضع متخلف قد تكون وبالا علينا جميعا، شاهد واحد فقط والبقية لكم، الثروات المالية التي لدينا في ظل الخواء القانوني والثغرات التي يدخل منها الفاسدون، تحوّلت الى مشروعات لا تفيد المجتمع بل تضره، بدليل النفق المجاور لاستاد الامير محمد بن فهد الرياضي بالدمام، الذي صرف عليه الملايين في إنشائه وصيانته، ولا تجد منه سوى الازدحام، الذي لم يكن موجودا قبل ولادة هذا النفق العتيد!!.

لعلي اتذكر كتابا عنوانه «نحن بشر أم بقر؟»، سوف اعيد قراءته مرة أخرى، لأعرف النتيجة ماهي؟