آخر تحديث: 25 / 9 / 2020م - 12:50 ص  بتوقيت مكة المكرمة

نهاية سنة

الدكتور محمد المسعود صحيفة الاقتصادية

بقية من أيام كنثار فجر وتنطوي سنة تامة في غير نقص. ومع كل طي لسنة، ونشر لعام جديد مسارات عديدة لحديث عسير إيجازه، خيانة للتاريخ كتمان وقائعه، وطمس مجاريه التي كانت تجري فيها أيامه، حزنه وسروره، حسناته وسيئاته، فضائله ومخازيه التي تتطهر منها قبل تصرمه، وتلك التي فارقنا وهو على دنس الاتصاف بها.

إلا أني في هذه المقالة، أكتب عن الفردية، عني وعنك أنت عزيزي القارئ. رسالة نهاية سنة على وشك أن تموت.

لم يكن من عادتي في كل عام أن أكتب رسالة  اعتذار  إلى أصدقائي ألتمس منهم عفوهم عني، لأني ذكرتهم بسوء، رغم يقيني أن عفوهم هذا سيكون ممنوحا لي لو طلبته، دون تأخير ولا إبطاء في هبتهم السخية علي. لأني لم أعود نفسي أن أذكر أصدقائي بسوء، وإن الصلة تأذن لي بالمكاشفة، وتبيح لي الدخول لمساحة مفتوحة في النقد لو رأيت نفسي بحاجة للمشي فيه، والوقوف عند بعض جوانبه. ولأني لا أجد من الحكمة أن تنزل أحدا في قلبك، وتصطفيه لك، ثم تذكره بسوء في غيبته. إن هذا أحط عندي من النفاق، وأرذل من خساسة النفس، وفي هذا العام سأكرر ما أنا معتاد عليه، في أن أمنح أصدقائي خالص حبي، دون حاجة لطلب المغفرة على ذنب الذكر السيئ الذي لم يصدر مني بحمد الله وفضله، وأحسبك السابق إليها مني. فهذا من شمائل الوفاء التي قلما يتخلى عن الاتصاف بها شريف.

إن أحدا لا يتعلم إلا من تجربته، ولو كانت شحيحة وضامرة، كما في كل عام ندمتُ جدا على الفقد وأهله، ليس في رحيلهم الذي كنتُ أحسبه مستحيل الوقوع في زمانه، وليس في النفس قدرة على احتماله، ولا جلد على حمله. إلا أني فقدتهم دون أن أطلعهم على عذوبة مشاعري وحبي لهم، لم أسكن إلى النور الذي كان في باطنهم، لقد غادرونا على عجلة منهم، لم يكن في أنفسنا بقية كافية منهم، لأننا بكل بساطة كنا طيلة الوقت مشغولون بكل شيء عنهم، ومشغلون عنهم حتى في حضرتهم، إننا لا نعيش اللحظة العريضة، أو الوجود الممتد مع من نحب، وكثيرا ما يتقحم الإنسان ما يخشاه من حيث لا يدري. إن الله سبق أن وصف الإنسان بالظلوم والجهول، فلا يكاد يفارق ظلما إلا ويقع في جهل. ولا يخرج من أحدهما إلا وهو أسير للآخر وهو الضعف الغالب في كل منثنى.

وفي هذا العام الميت، تحولت مشاعرنا إلى مادة مصنوعة من البلاستيك المرن الطيع، والمعدن الصلب، الهواتف النقالة باتت ملاذا للهروب ممن حولنا، خرجنا من الحياة، لنعيش في الكلمات التي تصفها، وفي صورتها التي نديرها بيننا في هواتفنا، لا أحد بقادر على أن لا يكون مدمنا، أو أن لا يكون أسيرا. لم يعد العشق والحب كما يصفه ابن الرومي:

لا خير في عاشق يخفي صبابته

بالقول والشوق في زفراته بادي

يخفي هواه وما يخفى على أحد

حتى على العيس والركبان والحادي

كلنا أبناء بررة لهذا الزمان، أصبحنا ضحايا لمثالبه، وأبناء لحسناته، لقد تعمق فقدنا لحس المشاركة، لقد مللنا بعضنا بعضا مشافهة، ونحب بعضنا بعضا، من خلال الأجسام الصلبة الناقلة للكلمة والصورة. إننا نفقد مشاعرنا وحياتنا الحقيقية ونحن مختبئون خلف صور الأشياء دون حسها، ورسم الكلمات دون نطقها. لقد أنطوى عنا عام ونحن نعيش خارجه وكنا ضحايا له في آن.