آخر تحديث: 17 / 2 / 2020م - 8:49 ص  بتوقيت مكة المكرمة

إن تأت متأخرا.. تخسر كثيرا

الدكتور محمد المسعود صحيفة الاقتصادية

السابقون في كل خير هم الفائزون، والمسارعون إلى كل إصلاح في ذواتهم هم الناجون. إننا نخسر كثيرا بمقدار ما نتأخر في الوصول. حين نصل نجد أن الفرص الأفضل لم تعد متاحة، وأن المكان الأجمل لم يعد متاحا، وأن غمرة القطفة الأولى لم تعد ممكنة. وأن وصولنا المتأخر يفرض علينا في نهاية الأمر أن نقبل ما هو قائم وممكن ومتاح، أن نقبل الفضلة وبقايا الموائد.

الأسرع يأكل الأبطأ في السياسة والتنمية والاقتصاد والفكر أيضا، العالم يخوض حروبا دموية لانتهاب الفرص المتاحة في كل شيء. والشعوب الجامدة والواقفة هي جزء من قسمة المنتصر، وحصة الغالب.

إننا نخسر أكثر حين نتأخر، ونخسر بما لا يمكن أن يُستعاض أو يُسترجع. إن نتأخر في تطوير شبكة القطارات الحديثة والسريعة.. يعني أن نخسر كل يوم أرواحا بريئة، تغتالهم الطرق الطويلة والممتدة.. ونخسر معها مئات الملايين طاقة ناضبة، وصيانة طرق، وأعمار الناس التي تستهلك الكثير منها طول المسافات بين المدن. إن تأت هذه الخدمة متأخرة نخسر الكثير من فرص التنمية بين المدن، ونخسر الكثير من سهولة نقل البضائع وسرعتها، ونخسر الحرمان من نقل حصاد الصناعة من مدينة تنتجها إلى أخرى هي في حاجة ملحة إليها.

إن نتأخر في الرقابة الحقيقية على المطاعم، نخسر المليارات في علاج ضحاياهم من أمراض السرطان والكبد الوبائي، مع كل تأخير يتم إطعام الناس الحمير والكلاب والميتة والفاسد والعفن النجس. وبمقدار ما يخسر الجميع والدولة يتربح المجرمون ومسوخ الإنسانية أكثر، ونخسر نحن أكثر بمقدار ما نتأخر في اكتشاف غبائنا أو غيابنا وغفلتنا.

أن نتأخر في تحويل هذه الجرائم من مخالفات بلدية إلى جرائم كبرى يعاقب عليها فاعلها بالسجن الفوري، والإحالة للقضاء المستعجل، وتشريع العقوبات المالية الجادة والحقيقية، التي تتناسب مع تقديرنا لأنفسنا، وبما يتناسب مع المسؤولية الحقيقية عن أمن الناس وسلامتهم.

كان المؤمل في بعض الحالات إغلاق المطعم بشكل نهائي، وترحيل المنتسبين إليه كافة بلا عودة نهائيا للمملكة، والتشهير بصاحب المطعم في الصحف المحلية على نفقته الخاصة. وإن هذا كله لا يعدل شيئا من الجزاء العادل لمن تسبب في تلف أكباد الناس، وجعلهم يأكلون الحمير والفاسد والتالف المُتلف.

إن تتأخر البلديات في رقابة المباني التجارية السكنية بعد إيصال الكهرباء إليها، نخسر كل الأنظمة التي تضعها الأمانة لتنظيم المدن، وخلق بيئة عصرية، وقريبة من الرفاهية المعقولة للناس. نخسر كمجتمع أمام مالك جشع، حين تنشطر الشقة السكنية إلى اثنين وثلاثة، نخسر إذ تتحول المواقف الواجبة إلى شقق سكنية، نخسر في غياب التسجيل الأمني للمستأجرين لأن الشقة نفسها ساقطة عن العدد في المبنى، وحتى في عداد الكهرباء..! وبالتالي التسجيل سيكون لواحدة، والثانية سيتم حذف التسجيل عمدا.

إن نتأخر في إصلاح شيء نخسر تكلفة فساده، نخسر العائد الأفضل المؤمل فيه، إن نتأخر في استبدال العقول الجامدة في الإدارات الحكومية، يعني أننا سنخسر كل العقول القادرة على تغيير الواقع. المؤلم أن قرارا واحدا أحيانا يوفر الملايين لصالح الناس، إلا أننا نتأخر في صدوره لسنوات طوال لأسباب لها صلة مباشرة، بالقطيعة الحقيقية بين من يصنع القرار وبين من يعيش نتائجه، ويحمل أثقاله.