آخر تحديث: 28 / 10 / 2020م - 9:21 م

السفر إلى اليوم الآخر

ياسين آل خليل

كان غارقاً في نوم عميق. لم تكن زوجته قد خلدت إلى النوم بعد، فهي كعادتها لا تنام إلا بعد منتصف الليل.. فهذا هو وقتها المفضل لتخلو بخالقها بين راكعة وساجدة، وداعية ومسبحة.. هكذا هي لم تتغير منذ صباها وهذه مجرد لمحة من نظامها اليومي..

دقت الساعة الثانية بعد منتصف الليل.. نعم لقد حان وقت النوم.. لكن هناك شيء تفعله قبل نومها.. ذهبت لتتفقد بناتها في الغرفة المجاورة لغرفتها.. ما زالت ابنتها الكبرى منكبة على كتابها.. «لما لم تنامي بعد يبنتي، فالوقت بات متأخراً وعليك أن تستيقظي غداً باكرا..» سأخلد إلى النوم بعد قليل يا أمي، فأنت تعرفين أنها السنة الأخيرة لي ويجب أن أحصل على نتيجة تؤهلني الدخول في التخصص الذي طالما حلمت به.... «وفقك الله غاليتي وأعطاك ما تتمنين» أجابت الأم

بعدها أغلقت الباب خلفها وتوجهت لغرفتها لتنام بعض الوقت قبل أن تصحو لصلاة الفجر.. ما أن دخلت الغرفة حتى لمحت زوجها وهو في حال لا يحسد عليه.. كان شاحب اللون والعرق يتصبب منه وكأنه يحتضر.. لم تتمالك الزوجة أعصابها فأخذت تهزه يمنة ويسرة وهي تناديه بإسمه عله يستجب لندائها.. فزّ الزوج من منامه وهو يصرخ وكأنه فارٌ من الموت.. هدأّت الزوجة من روعه وأحضرت له كوباً من الماء، شرب نصفه وأفرغ الباقي على رأسه وهو يتعوذ من الشيطان ويصلي على النبي وآله ويحمد الله أن تم إيقاظه من كابوس لم يشهد مثله طوال حياته.. سألته زوجته «مابالك أخبرني ماذا حصل لك؟» قال لها «دعيني أصلي ركعتي شكر لله على أن أحياني بعد أن أماتني، بعدها سأخبرك عن ذلك الكابوس المخيف..»

ذهب الزوج إلى دورة المياه حيث اغتسل سريعاً وغير ملابسه المبللة بالعرق وتوضأ، بعدها توجه للقبلة وأخذ يصلي وزوجته تنظر إليه في ذهول وكأنها ترى شخصا آخر غير الذي ألفته كل تلك السنين.. كان الرجل ينتحب ويبكي وكأنه يؤدي صلاته الأخيرة مودعا هذه الدنيا الفانية.. انتهى من صلاته لكن دموعه لم تتوقف.. فزعت زوجته من ذلك المشهد فأصرت عليه إلا أن يخبرها بما رأى في منامه..

قال لها «أنا سأخبرك لكن كلماتي لن تكون معبرة عن هول ما رأيت.. فالمشهد مهول وكل التعابير تبقى عاجزة عن وصف اليسير مما عشته في تلك الدقائق من ذلك الكابوس الذي لا يُحتمل، إنه يوم الحساب.. نعم هو ذلك اليوم الذي وصفه الخالق لنا.. هل تعلمين ياعزيزتي أني تمنيت لو لم أخلق في هذه الدنيا لأرى تلك اللحظات، كيف لأحدنا أن يتجرأ ويعصي خالقه أو يخالف أوامره، لكنها الغفلة واللامبالاة التي تجعل الإنسان يعيش وكأنه في مأمن من جبروت الخالق.. أنت لا تعرفي كم أنقذتني من ذلك المأزق الكبير عندما أيقظتني من نومي..»

«اليوم أنا مولود جديد برؤية مختلفة.. ربما تسأليني لما كل ذلك الخوف وأنا ذلك الإنسان المحافظ على تعاليم دينه المطبق لشرعه المبتعد عن محارمه.. بكل بساطة سيدتي أن ما رأيته لمشهد يشيب ناصية الصبي ويفزع الناسك العابد..» والكلام للزوج.

أسأل الله أن يحسن خاتمتنا وأن يشملنا بلطفه ورحمته وأن يخفف علينا هول ذلك اليوم الذي لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم..