آخر تحديث: 17 / 2 / 2020م - 10:43 ص  بتوقيت مكة المكرمة

هل تفسد عاشوراء..!

النوايا الطيبة..

الدكتور محمد المسعود

لا ينبغي أن تُصاغ وجهة النظر الشخصية بصياغة الفتوى، ولا أن تتصف بصفة التحليل والتحريم، والندب والكراهة، حسبها أن تقف عند حدها المقدر لها أن تقف عنده بالقبول والرفض، حسبها أن تقف عند الخطأ والصواب المحتمل.

إن مقالتي هذه تتصف باليقين المتحرك، الذي لا أكاد أجزم بالصواب فيه، إلا أن لدي من الأسباب ما تلح علي في تبني هذه النتيجة، التي جعلتها عنوانا للمقال الموجز هذا، تاركا للفضلاء والعلماء والخطباء أعزهم الله تعالى جميعا كلمة الفصل، وفصل الخطاب.

لعلي أقبض على آثار تحول أحسبه غير حميد في تحويل عاشوراء إلى مفهوم - الكرنفال - في الدول الأوربية، بدواعي كلها طيبة، ونوايا طاهرة القصد، صادقة السعي الذي تسعى إليه، وهو السعي للقبض على كثرة الناس في هذه المحافل السنوية. وخدمة الناس في نهاية الأمر، وهو غاية قصدهم

أن ينشأ على هامش الحضور مركزا للتبرع بالدم للمرضى الذين هم بحاجة إليه، في عاشوراء التضحية والفداء، ثمة تناسب أخلاقي، وروحي، ولا يخرج عن هوية الحزن الذي يظهر من جملة روايات أهل البيت أنه شعار عاشوراء، وشعار المنتمين إلى الحسين وآل الحسين . كما أن الفرح في هذا اليوم، ومظاهر السرور فيه هو شعار بني أمية وأشياعهم وأتباعهم ومن والاهم.

إن قلقي تعاظم مع تبرعم ظواهر غريبة تماما عن النسق الحسيني السائد الذي يفترض أنه هوية محرم الخاصة، فدخلت دورات طبية، واندرجت فيه تعليم الإسعافات الأولية، وفي أماكن أخرى إلحاح في طلب دخول التمثيل بدون معرفة مختصة بمقدماته، ولا بطرق التأثير فيه، وبتكاليف كان من الأرجى والخير أن تصرف في غيره.

لعلي أتفهم أن يكون على مائدة الحسين ، برامج كفالة الأيتام، ولعلي أتفهم أكثر أن ينشأ الناس في كل عام مركزا خدميا من هبات الحسين وعطاياه، من خلال تبرع المحبين له، تسمى بأسمه ويعم خيرها الناس جميعا.

لعلي أفهم أن يكون للحسين حفارات تضرب الأرض حتى ينبجس الماء سقيا وريا للظامئين في السودان والصومال وأفريقيا. «أبار الحسين بن علي » الذي قتل عطشانا لطلب الإصلاح في أمة جده، لعلي أفهم أن يوزع الكتب، وأن تطبع، وأن يساعد عليهما.

ولكني لا أجد في نفسي حماسة أن نٌقحم في حزنه ما يخرجه عن طبيعته الوقورة، وأن نبعده بحضوره وحزنه من خلال التوسع لمجالات هي أقرب للمهرجات المحلية، أو السنوية. وأن نجعل دورات أمراض القلب، ومحاضرات المثقفين في القانون، وغيرها في مكان وزمان يخرج من محرم حسينيته الخاصة به، والمختص بها.

ولعل توصية أهل البيت في ترك الطلب، وإخراج هم الدنيا من القلب ولبس السواد، والدخول في الحسين برحابته وبمعانيه وبدلالة كل رسائله، كل حركات السكون، وكل حركات الفعل، في لحظة التثني التي لا يشبهه فيها أحد، ولم يسبقه إليها أحد، في إيجاد سبل التوحد في الحسين، وروح الحسين، ودم الحسين، في هذا التشبع الري العذب بالحسين ومن الحسين وإلى الحسين التي هي روح النبي ﷺ «حسين مني وأنا من حسين». «أحب الله من أحب حسينا».

السوابغ غمر إن كان أولها الحسين، وهي فيض إن كان أخرها الحسين، وهي روح السدرة والشجرة وأقرب. فلماذا تخرجون الناس من حضرته، وموارده النقية، وفيضه وطهره، الذي يتوالى صعودا بالسالكين على هديه وسبيله وممشاه، لماذا تشاغلوا قلوبنا بكم عنه؟! لماذا ترفعون أصواتكم في حضرته؟! لما يتعالى الضجيج على صوته!! وأنتم تحسبون أنكم تحسنون صنعا؟!.

يا أصحاب النوايا الطيبة! يا محبين الحسين!

أحملوا - دنياكم -، خذوا حقائب همومكم الصغيرة، خذوا الصوارف، والشواغل. وأفسحوا المجال لقلوبنا، نحن في الحضرة لا نرى إلا الحسين، نستشعر قشعريرة الأنفاس الأخيرة قبل خمودها، يستصرخنا الضمير هل من ناصر ينصرنا، فنرتد إلى أنفسنا مستشعرين هذا التقصير في كل موقف، ومع كل ضعف، وفي لحظات العجز، يغمرنا البكاء يهتف الوعي والقلب والروح والجسد منا:

- لبيك يا حسين..! على ضعف وعجز غالب..!

أرجوكم بحق ضمائركم الحية، لا تفسدوا علينا خلوتنا الروحية بالحسين، لا تشغلونا بهمومكم الصغيرة ودنياكم عن الحسين، لا نرغب في سياستكم، ولا في فلسفتكم، ولا في أفكاركم ولو كانت عظيمة وجليلة وتستحق التقدير، ولا في وصاياكم، ولا في فحص القلب والسكر والضغط، نريد فقط أن تخرجوا هذا كله من تفردنا، وخلوتنا الصوفية التي تطهرنا وتزكينا وترجعنا إلى ذواتنا الضالة البعيدة. وحده الحسين يفعل هذا بمحبيه في كل عام وفي كل مكان وزمان لهذا هو خالد وغيره ميت..!. فقط أصمتوا لكي ينساب إلى أرواحنا صوت الحسين ونتلقف وهجات النور المنسكبة من مكان قصي وبعيد. كل بحسب مقام قلبه ومنازل طهره.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
ALSAFFAR AMEEN M
2 / 11 / 2014م - 8:27 ص
كلام مهم يحتاج إلى تلقي و ونقاش، لعل هناك خيار ثالث ومساحة مشتركة أوسع. أحسنت