آخر تحديث: 20 / 8 / 2019م - 10:49 م  بتوقيت مكة المكرمة

الحسينية الغربية!

حسين العلق *

شاءت الأقدار أن يبصر كاتب هذه السطور النور في منزل ملاصق لحسينية. فقد ولدت واخواني في حي صغير بشمال جزيرة تاروت يعرف ب ”فريق الخارجية“، وفي هذا الحي المحاط بالنخيل، الذي تفصل الممرات الترابية فيه بين ”الصنادق“ والعشيش، توجد حسينيتان، الحسينية الشرقية، وتقع أقصى شرق الحي، والأخرى الحسينية الغربية في قلب «الفريق»، وسميت بذلك لأنها تقع غربي الحسينية الأولى. وقد ارتبطت حياة عائلتي بالحسينية الغربية هذه منذ اللحظة التي قرر الوالد رحمه الله تشييدها بالإسمنت والحجارة، بعد أن كانت مكونة من سعف النخيل، وحتى يومنا هذا. وهذا بالضبط ما فتح أبصارنا وعقولنا الغضة على عوالم فسيحة من الخطاب الديني والتاريخ المذهبي والشعر الولائي والعزاء الحسيني.

الحسينية الغربية، التي كانت ولاتزال محدودة المساحة بمعايير هذه الأيام، كانت في الحقيقة فسيحة بما يكفي، سيما وقد بنيت على طراز حديث، وفقا لمعايير ذلك الزمن. خصوصا إذا ما أخذنا بعين الإعتبار أن الوالد رحمه الله، ونتيجة لخبرته العملية في شركة ارامكو، قام بخطوة غير مسبوقة عندما جلب للحسينية مولدا للكهرباء ومكبرات الصوت، في وقت كانت المنازل نفسها في المنطقة تغرق في ظلام دامس. كل ذلك لم يكن مهما بالنسبة لأطفال مثلنا، بقدر ما كانت تمثل الحسينية نفسها نافذة ومتنفسا على عوالم واسعة، خصوصا مع تعدد الخطباء المتناوبين على القراءة الحسينية، المحليون منهم، والعراقيون تحديدا، المتاح لهم دخول البلد في ذلك الوقت.

تتخذ الحسينية قدسيتها من ارتباط اسمها بالإمام الحسين. وأن ترتبط حياتك بالحسينية، فهذا يعني أن تكون على تماس مباشر مع أفواج الناس التي تنهال على الحسينية من داخل الحي والأحياء المجاورة في مواسم القراءة في أيام عاشوراء وشهر رمضان، فضلا عن أيام وفيات ومواليد باقي أئمة أهل البيت. ووفقا لهذا المفهوم تغدو الخدمة في الحسينية مقدسة وشرفا كبيرا ومطمعا للثواب المضاعف، سواء من خلال خدمات النظافة او تقديم الشاي والقهوة و”النرجيلة - الإرجيلة“ للمستمعين، وتقديم القهوة و”القدو“ «مرادف للإرجيله» للنساء المستمعات اللاتي يمتلئ بهن بيتنا الملاصق للحسينية.

الحسينية فتحت أعيننا على عالم لا متناه من البكاء والتفجع والألم على مصاب أهل البيت خلال موسم عاشوراء بالخصوص. فبقدر براعة الخطيب في تصوير مجريات وتفاصيل واقعة الطف على نحو محزن، بقدر ما تكون بكائيات الجمهور أكثر ألما وصدقا وتفاعلا.. وإقبالا على الحسينية نفسها. فإلى جانب جودة الصوت وحفظ المقامات والأبيات الشعرية، ظلت القدرة على استدرار الدمعة تحديدا، وعلى مدى زمني طويل، هي العامل المرجح الذي يرفع من أسهم هذا الخطيب على حساب الآخر. من هنا تغدو المفاضلة عند الجمهور سهلة إلى حد كبير، بين خطيب وآخر، وبما ينسحب تاليا على كثافة الحضور في حسينية دون أخرى! وقد كان والدي رحمه الله متذوقا جيدا فيما أحسب. فلم يكن يتردد في استقطاب أي خطيب لديه من عذوبة الصوت ومهارة الالقاء، كما لم يكن يتردد في تغيير الخطيب فيما لو كان مستواه أقل من التوقعات.

الحياة في جنبات الحسينية مرادف للحياة في المدرسة. فالواحد منا يعيش تحت موجات لا تنتهي من الإرشاد التربوي والتثقيف الديني، إلى جانب تغذية الخيال بالصور التاريخية العديدة في زمن اللا صورة. في ايام عاشوراء تحديدا، كانت تتجلى أمامنا صور متلاحقة، من وصول الإمام الحسين إلى كربلاء، إلى أدق تفاصيل المعركة التي خاضها وجيشه الصغير. هنا كنا نتلمس وحدة مسلم بن عقيل في الكوفة، والتحاق حبيب بن مظاهر بجيش الحسين، ولأننا كنا صغارا فقد كنا نتعاطف مع المقاتل الصغير القاسم بن الحسن، ثم نحلق بعيدا في تصور جمال وشجاعة علي الأكبر والعباس بن علي.

غير أن كل ما سبق في جهة، وما ينسكب علينا من ألم للحسين وهو يقف بكل إباء وحيدا أمام جيش جرار، في جهة أخرى. كنا نرى الحسين، على شفاه الخطيب الحسيني، ذلك المقاتل العنوان لكل الشرف والنبل والبلاغة والشجاعة والإقدام، حتى وإن قتل جميع ولده وأصحابه، وذبح ولده الرضيع بين ذراعيه، إلا ان تلاحق الأحداث سرعان ما يحيلنا إلى الحسين الذي أضحى مرمى للسهام وموضعا لسيوف الأعداء وظلمهم وغدرهم. أما بشأن ما انطبع في أذهاننا وعقولنا الصغيرة من صور الحسين وأهل بيته بعد المعركة.. فلا طاقة لي على سرده هنا، ففيه من صور الفجيعة ما لا تطيقه الصخور الصم!

أن يقضي الواحد منا طفولته وصباه داخل وعلى جنبات الحسينية فهو يعيش بذلك في القلب من كربلاء، يستمع ويشاهد ويعايش، ليلا ونهارا، جلَد الحسين وصبر زينب وشجاعة الأكبر وبطولة العباس. ولهذا يجوز القول ان واقعة كربلاء لم تستغرق من عمر الزمن سوى نهار واحد، لكنها غيرت كل تاريخ الأمة إلى الأبد!.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 2
1
صقر
[ الدمام ]: 3 / 11 / 2014م - 1:03 م
السلام عليك يا ابا عبدالله وعلى الارواح التي حلت بفنائك عليك مني سلام الله ابدا مابقيت وبقي الليل والنهار ولا جعله الله بأخر العهد مني لزيارتكم السلام على الحسين وعلى علي بن الحسين وعلى اولاد الحسين وعلى اصحاب الحسين..
2
Natheer
[ القديح ]: 4 / 11 / 2014م - 1:16 م
جملة تختصر المقالة باكملها

ان واقعة كربلاء لم تستغرق من عمر الزمن سوى نهار واحد، لكنها غيرت كل تاريخ الأمة إلى الأبد!.

ننتظر مقالتك في حادثة الاحساء
كاتب سعودي