آخر تحديث: 29 / 9 / 2020م - 12:31 ص  بتوقيت مكة المكرمة

نظرية العواجي

المواطنون الرهائن..!

الدكتور محمد المسعود
اقرأ أيضاً

أتحدثُ إذ أتحدث وأنا من جلال الحزن قريب المكان، قريب الحس، فالمسافة لم تعد قصيرة بين الشهداء من حائل وبريدة حتى الدالوة، تدانت الروح من الروح، وتباعدت المسارات بين القبر والقبر.

لولا أن الصمت أحيانا انحياز للباطل، لما شاغلنا أنفسنا بالكتابة عن سقط الكلم، ومردود المتاع، وحنجلة الرقص فوق طين قبر رطب.

ليست هي المرة الأولى التي يظهر فيها الدكتور محسن العواجي في قناة تلفزيونية يكرر فيها ذات الخطاب التي نسمعها دائما من القنوات الطائفية، وهي بذات الرسالة بكل مفردات الكراهية، والتحريض عليه، ذاك الخطاب الاستعلائي، المرتكز على امتلاك الحق المطلق في الأرض، والحقيقة المطلقة في الدين والسياسة، والتي يمثلها هو ونظائره من بعض التيار الديني في المملكة العربية السعودية، كظاهرة اجتماعية وأنماط فكرية، وسلوكية، ذات خصائص مشتركة، وسمات محددة.

أحسب أن الجميع يعرف سماتها العامة، وصورتها النهائية التي لا زال العالم حتى اليوم، يكتب عنها في المقدمات والنتائج.

هذا الخطاب الناشف الذي يكرره فضيلته، ينحصر في علم القانون بمفهوم - المواطنون الرهائن - حيث أن تصفية الحساب مع إيران، يجب أن تدفعه الأقلية الشيعية في السعودية، المواطن في نظر سعادة الدكتور - مجرد رهينة - من الممكن أن يتكرر قتل أحد أطفاله أمامه، لكي ترتدع دول إقليمية عن سياستها في سوريا أو العراق!.

هذا منطق أحسب أن تنظيم القاعدة في حكومة طالبان كانت قد ترفعت عنه تماما، وأتصور أنها لم تمارسه، ولم تقدم عليه. في الوقت الذي يتباه سعادة الدكتور بحماسة التنظير الديني، التبرير السياسي له بعقلية الانتقام البديل، والضحية الضعيفة في جغرافيا بديلة.

القتل غيلة، وغدرا، للمدنيين العزل، والأطفال، والنساء محتمل، وقريب الوقوع، طالما أنهم لم يعلنوا براءتهم من بشار الأسد المجرم..! ولكن سعادة الدكتور سلمه الله غفل أن يبعث لهم فاكس في أقرب سوبر ماركت مجاور لقريتهم لعدم الحاجة إليه في قريتهم، يخبرهم بأن التدخل في السياسة الإقليمية واجب شرعي من شأنه أن يعصم دمهم، وأن البراءة ممن يوجب الدكتور البراءة منه واجبة، وإلا كان عقوبته أن تأتي عصابات تقتلهم في بيوتهم ومساجدهم وبدم بارد ثم تسكب الأسيد على أجسادهم الهامدة.

وإن عتب ضمير العالم على الدكتور كبير، في كونه لم يعمم نظريته «المواطن الرهينة» الذي يتم قتله كفاتورة سياسية لم يتم الوفاء بها من قبل دولة مجاورة اليوم إيران وغدا حزب الله، أو أي هيئة أو جماعة أخرى.

النظرية العواجية هذه من شأنها أن تؤسس لنظام الحظائر البشرية، التي يتم ذبح عددا منهم في الوقت المناسب، لأنهم ينتمون إلى هوية مذهبية لتلك الدولة المعادية، أو المعاندة لها في السياسة. تماما كما يتم تسمين الخراف قبل عيد الأضحى تماما، وبذا نضيف حرف ح: حظيرة. أو راء: أي رهينة. كرمز تصنيف للمواطنين.

وبهذا الإرهاب في إيران يقدم الأضاحي البشرية من الأقلية السنية، لأن السعودية تدعم سقوط النظام السوري، والإرهاب في السعودية تقدم الأضاحي من الأقلية الشيعية لأن إيران تدعم بقاء النظام السوري.

لم يذهب داود الشريان بعيدا عن النظرية العواجية، فطالما أن قناة شيعية تحرض من لندن يصبح القتل في الأحساء انتقام لندني على أرض سعودية. وكردة فعل مبررة، وإن القتلة محض غاضبون دينيا، لأقوال اللندني المحمي بالشرطة البريطانية. بينما هؤلاء الضحايا يمكن تناولهم فهم أيسر وأسهل وأقرب شاة للذبح..!

وبهذا تصبح نظرية الوطن والمواطن ثلاثة أقسام: المواطن والمكتسب للجنسية، والمواطن الرهينة أو الحظيرة، وهي النظرية العواجية الأخيرة، لحفظ الحقوق الفكرية، ونسبة الفضل إلى أهله.

بقي أن نحمد الله تعالى أن الوعي للمجتمع السعودي فاق كل التصورات، وأن اللحمة الوطنية، جعلت الكثيرين يمثلون أنفسهم كخطاب معزول يتردد صداه في غرفة التصوير ويرتد كرتين على من فيه خاسئا وهو حسير. أمام الروح الوطنية الجامعة المتنامية.

الباطل مكنونه زبد يذهب جفاء، والكراهية وجه إبليس، والتدين غايته الرحمة والحب والعطاء الخير للوجود كله، من يعتذر لجمهور لأنه قدم العزاء في الشهداء.. كان من الخير له أن لا يأتي.. لأن اعتذاره فضيحة له، وشتيمة قدرة لجمهوره. من يبحث عن قطعة من سبب يستر بها سوءة القتلة وشناعة جرمهم. يهتك ستر نفسه.

الأيام التي سوف تأتي ستجعلنا أطهر وأنقى وأسمى ربما لأننا قدمنا إلى الله وإلى وحدتنا الوطنية أطهر أرواحنا، فسقط أمام طهرهم ونورهم المبطلون والمرجفون في المدائن. إنها بقية دعوة إبراهيم وأمانته فيكم

«وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام»