آخر تحديث: 27 / 11 / 2020م - 2:04 ص

ليبرالية منقبة

علي جعفر الشريمي * صحيفة الوطن

تقول صحيفة «مترو نيوز» الفرنسية، إن مسؤولي دار الأوبرا في باريس قاموا بإخراج سيدة خليجية منقبة من صالة العرض، كان ذلك خلال الجزء الثاني من العرض، إذ لمح أحد الممثلين في الفرقة الفتاة المرأة المنقبة، ورفض مع بقية الفرقة إكمال العرض الفني في حال بقاء السيدة في القاعة!

اقترب أفراد الأمن من السيدة وأخبروها أن القانون الفرنسي يمنع ارتداء النقاب في الأماكن العامة، وخيروها بين كشف وجهها أو مغادرة المكان، فاختارت المغادرة.

ما إن نُشر الخبر حتى انهال الهجوم على الغرب، فمنهم من صورها بأنها حلقة من حلقات الحرب الصليبية المستمرة، التي يشنها الغرب «الكافر» على الإسلام والمسلمين، وآخرين منهم يتشمتون بالليبرالية قائلين: أهذه هي الليبرالية التي تدعون لها؟ ها هي تعتدي على الحريات الشخصية، وعلى حريات الآخرين في ممارسة عقائدهم الدينية، وهي الدولة العلمانية التي تتشدق بأنها أول من دشن وثيقة حقوق الإنسان والمواطنة، بعد قيام الثورة الفرنسية عام 1789.

وقبل الحديث عن الحالة الفرنسية تحديدا، أود التعريج قليلا على مفهوم «الليبرالية» التي تتعرض كل يوم للتشويه في مجتمعاتنا. وحتى يتضح المفهوم سأقسمها إلى:

1 - الليبرالية في الإطار الخاص: وهي الحقوق والحريات الخاصة بسلوك الأفراد.

2 - الليبرالية في الإطار العام: والمتمثلة سياسيا ب «العلمانية» وهي فصل المؤسسات السياسية عن المؤسسات الدينية، وليس كما يتصورها الكثيرون بأنها فصل الدين عن المجتمع، فكل المجتمعات قامت في واقعها على الأديان، فالليبرالية تبعا لهذا المفهوم تحمي التعددية الدينية كمبدأ وتهاجم التفرد العقائدي.

وبالعودة إلى قصة منع «النقاب»، فدولة فرنسا تقر بحرية الملبس كحق من الحقوق الفردية، إلا أن إخفاء هذا الملبس لهوية الإنسان الأساسية، والتخفي تحت «البرقع» يخرج الملبس خارج الإطار الخاص إلى العام، عندها يصبح المنع حاجة أساسية وأمنية للمجتمع والدولة بأكملها كمؤسسة تسعى إلى حفظ الأمن من خلال التعرف الشخصي والدائم على أفرادها في أي وقت، وبالتالي يحق لها كدولة ذات سيادة أن تشرع قوانينها بناء على ذلك، فمن المنظور الحقوقي أعتقد أن القانون الفرنسي في منع «النقاب» لا يتنافى أبدا مع قيم الليبرالية.

لكن المشكلة هي في التشريعات الفرنسية المتعلقة بقرار منع الحجاب - مع ملاحظة الفارق بين النقاب والحجاب - آخذين في الحسبان أن فرنسا لم تمنع الحجاب على المدارس الخاصة، ولا المدارس الدينية، ولا في الفضاء المجتمعي العريض أو الحياة الخاصة، ولا في الجهات غير الرسمية، ولكن منعها وإن كان مقتصرا على المدارس العامة والجهات الحكومية الرسمية، فهو في واقعه يعد قرارا دكتاتوريا فاحش التعدي على الحق الإنساني في ممارسة العقيدة! وهو أمر لا يرتبط بالدين الإسلامي وحده كما يصوره عشاق الكراهية الذين يلعبون على وتر العاطفة الدينية والشعور بالاضطهاد، وكأن هناك مؤامرة على الإسلام والمسلمين، إذ لم نجد أتباع الديانات الأخرى يتعاطون بذات التعاطي؛ فقرارات المنع الفرنسية شملت كذلك: الصليب المسيحي، والقلنسوة اليهودية، والعمامة السيخية. السؤال: لماذا فرنسا تحاول دائما تحييد الأديان والمذاهب؟ الجواب: فرنسا وإن تنامى فيها اليمين المتطرف، خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر، إلا أنها مازالت تعيش عقدة الكنيسة الكاثوليكية، فهي ذاقت الويلات من تسلطها، الأمر الذي انعكس عليها في النأي عن كل ما يرتبط بالأديان والمذاهب بالجملة، بعكس الدول العلمانية الأخرى الأقل حساسية التي كانت تدين بالبروتستانتية. ومع ذلك تجد أن فرنسا لديها قانون واضح بمعاقبة مثيري الكراهية ضد أتباع الديانات الأخرى، وفيها 2260 مسجدا، ووزيرة تربيتها تدين بالإسلام.

ختاما أقول: إذا كانت فرنسا ليبرالية في منعها للنقاب، فمنعها للحجاب هو نقاب بائس لليبراليتها.