آخر تحديث: 25 / 10 / 2020م - 4:45 م

الغلو في بعض الشعائر الحسينية

أحمد الحمد

من الناحية المبدئية، فالشعائر عموما هي إتمام وتكميل للجانب النظري في التشريع الاسلامي من أجل إعطاء زخم عاطفي وعظمة عملية للشعيرة من اجل تقوية حالة الإتباع والإرتباط بين المؤمن وبين التشريع المناط بتلك الشعيرة، فعلى سبيل المثال، ذُكرت الشعائر في الحج في القرأن في عدة آيات ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ» وأيضا هذه الأية الكريمة «وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ»، ولكن المهم والهدف من هذه الشعائر بينته وذكرته الاية الشريفة التالية لتوضح بأن الشعيرة ليست إلا وسيلة لغاية أكبر وهي التقوى «وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ‏» ومن هنا نستنج بأن الشعيرة بحد ذاتها ليست إلا وسيلة لبلوغ هدف اكبر وهو تقوى الله كما ذكرت الأية الشريفة.

وعلى هذا الأساس، فالشعائر الحسينية ليست إلا وسائل وليست أهداف بحد ذاتها وقد شُرعت من أجل تعميق حالة الولاء والارتباط بالأمام الحسين ممثلا بأهدافه التي اعلنها عند خروجه في عدة مناسبات، حيث يُروى عنه قوله «إني لم اخرج اشرا ولا بطرا ولا مفسدا ولا ظالما وانما خرجت لطلب الأصلاح في امة جدي أريد ان آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأسير بسيرة جدي وأبي» وأيضا يُروى له قول آخر «ألا ترون أن الحق لا يعمل به وأن الباطل لا يتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء الله محقا».

ومن هذه المقدمة نستنتج قاعدتين:

الأولى: أن الشعيرة وسيلة وليست غاية.

الثانية: أن هدف إقامة الشعيرة هو الارتباط بالمبدأ التي تقوم عليه.

لذلك ينظر علمائنا الأجلاء للشعائر الحسينية على أنها تنقسم إلى قسيمين:

الأول ما جاء به نص من المعصومين

الثاني ما أحدثه وأبتدعه الناس

فالقسم الأول لاخلاف عليه والكل يتفق عليه وأغلب العلماء يحصرونه في الزيارة والبكاء وإحياء الذكرى وما عدى ذلك ففيه اختلاف بين العلماء وأغلبهم يقول أن غير ذلك يعتبر مما ابتدعه الناس اي من القسم الثاني.

القسم الثاني ينظر له علمائنا الى نوعين أيضا:

النوع المباح والذي لا يوهن المذهب.

والأخر مباح ولكن يسبب الوهن للمذهب

وعليه فقد وقع الخلاف في تشخيص الوهن للمذهب مما ادى الى الأختلاف إلى حلية أو حرمة بعض الشعائر الحسينية، ومن هنا ننطلق الى السؤال التالي، بأن هل التجديد والأبتداع في الشعائر أمر مباح في الأصل ومتاح للجميع وهل هناك ضوابط وقواعد معينة يجب مراعاتها في أي شعيرة مستجدة؟

وللأجابة على هذا السؤال علينا ان نتذكر ان البدعة في الدين في الأصل محرمة والبدعة هي إتيان شيء من خارج الدين وإلصاقه بالدين، واقرب مثال هو ضميمة الوضوء إلى غسل الجنابة، فالعلماء تتفق على أن هذا العمل بدعة لايجوز الأتيان به، وهذا يعني ان الأبتداع أصلا ليس مباح في الدين بل يخضع الى ضوابط شرعية، وعليه ليس من حق كل من اتت له فكرة جديدة ضنا منه انها شعيرة، اتخذها شعيرة وبدأ في ممارستها دون عرضها على الضوابط الشرعية وهذه هي المشكلة التي وقع فيها الكثير، فغالب المبتدعين للشعائر غير المنصوص عليها ابتدعوها من منطلق نظرتهم الشخصية العاطفية، ولكن لم يتم عرضها على الضوابط والمقايس الشرعية للبث فيها إلا بعد ان تتعاظم وتصبح محل اشكال بين الناس مما تدفع العلماء الى طرح رأيهم في تلك الشعيرة، أضف على ذلك ان غالبية المبتدعين لهكذا شعائر لا يلتفتون كثيرا لرأي العلماء، لأنه أصبح ممارسة تلك الشعيرة بالنسبة لهم من أساسيات المذهب والأنتماء لأهل البيت وجزء من إحياء امرهم .

قد ينظر البعض للمبالغة في إقامة الشعائر وبالذات النوع الثاني، على انه إحياء لأمر اهل البيت ، كما ورد في بعض الرويات «أحيوا أمرنا، رحم الله من أحيا أمرنا» ولكن هل هي الشعائر المقصودة في هذه الرويات التي ستحي امر اهل البيت ، لنرى ماذا يقول الأمام الرضا في الرواية التالية التي يرويها الهروي حيث يقول سمعت الإمام أبا الحسن علي بن موسى الرضا يقول: «أحيوا أمرنا، رحم الله من أحيا أمرنا. قلت: يا بن رسول الله وكيف يحيا أمركم؟ قال: أن يتعلم علومنا ويعلمها الناس؛ فإن الناس لو علموا محاسن كلامنا لتبعونا» بحار الأنوار، ج2، ص30، الحديث رقم13.

اعتقد أن السبب الأكبر وراء ابتداع الشعائر الجديدة والاصرار على ممارستها هو تحول الشعيرة من وسيلة الى غاية كما ذكرنا أعلاه وهنا تقع المشكلة، ففي احيانا كثير تُضيّع اهداف ثورة الأمام الحسين في خضم ممارسة الشعيرة، فعلى سبيل المثال البعض لايلتفت ان ممارسة شعيرة معينة الى وقت متأخر من الليل قد يتسبب في فوات صلاة الصبح، او قد يتسبب في التخلي عن بعض الواجبات العائلية الواجبة فتجد هؤولاء البعض يصرون على ممارسة تلك الشعيرة بتحويلها الى هدف يسعون لأقامته دون الألتفات على أنها من المفترض ان تكون وسيلة لتقوية الأرتباط بالهدف الأساسي وهو ثورة الاصلاح في حركة الأمام الحسين «ألا ترون أن الحق لا يعمل به وأن الباطل لا يتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء الله محقا» وهنا يقع التناقض الكبير فكيف التوفيق بين ما يأمر به الأمام الحسين من الأصلاح وعلى راسه المحافظة على الواجبات وبين الأثار التي تترتب عليه المبالغة في ممارسة بعض الشعائر المناقضة لأهداف الأمام ، وهذا يدل على ان البعض حوّل الشعيرة الى غاية وهدف حتى طغت وتناقضت مع الهدف الأسمى الذي امر به من أُقيمت لأجله الشعيرة.

وهذا احد مصاديق كلمة الشهيد مطهري رحمة الله عليه بأن الحسين قتل ثلاث مرات «الأولى: على يد اليزيديين بفقدانه لجسده، والثانية: على يد أعدائه الذين شوّهوا سمعته وأسائوا لمقامه، أما الثالثة: فعندما استشهدت أهدافه على يد البعض من أهل المنبر الحسيني، وكان هذا هو الاستشهاد الأعظم ”. فالحسين ظُلم بما نسب له من أساطير وخرافات... وروايات قاصرة عن أن تصبح تاريخاً يألفه أو يقبله العقلاء. ظُلم لأن تلك الروايات عتمت على أهداف ثورته ومقاصدها... ظُلم على يد الرواديد ومن اعتلوا منبره ونسبوا له - ولأهل بيته - حوارات ومواقف وهمية ملْؤها الانكسار لاستدرار الدمع. فصوروه - وهو المحارب الجسور الذي افتدى مبادئه بروحه ودمه - وهو يلتمسُ الماء بكل ذُلٍ ومهانة من أعدائه، وصوّروا زينب - الطود الشامخ - التي دخلت على الطاغية يزيد فزلزلته بخطبتها - على أنها امرأة جزعة بكّاءه، تثبّط هِمة أخيها في الحرب»“ كتاب الملحمة الحسينية".

إن الأغراق والأسهام والمبالغة في الشعائر الحسينية «والشعائر المعنية هنا النوع الثاني الغير منصوص عليه من المعصومين » وإعطائها اكثر من حجمها، يحيد اتباع الامام عن اهدافه الاساسية التي قام لأجلها، فتتحول الشعيرة الى غاية وهدف وعليه نجد مؤخرا بعض التحول في إقامة ذكرى استشهاد الأمام من ذكرى مطلوب منا ان نتعلم ونستلهم فيها دروس العزة والأباء والكرامة والشموخ والوقوف امام الظلم ونصرة المظلوم وأن نسير بسيرة الأمام الحسين وهي سيرة ابيه وجده بطلب الاصلاح وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الى مجرد شعائر خالية في الغالب من اي دروس وتعاليم منهجية، بل ممارسات تخرج احيانا عن تعاليم الدين، وهذا التحول جعل من البعض يعيش حالة الرضا والأنتعاش بمجرد ممارسة الشعيرة، لأن ممارسة الشعيرة لا يتطلب جهد ولا تغير ولا تهذيب اما تحقيق الأصلاح الذي ينادي به الأمام فهو ليس في قائمة واجباته لأن اقامته يتطلب الكثير من الجهود على الصعيد الشخصي اولا وعلى الصعيد الأجتماعي ثانيا.