آخر تحديث: 13 / 8 / 2020م - 2:57 ص  بتوقيت مكة المكرمة

أدبيات نقد الرمز عند الإمام علي

أحمد العلي النمر

من كتاب أرسله الإمام علي إلى عثمان بن حنيف عامله على البصرة

«أَمَّا بَعْدُ، يَابْنَ حُنَيْف فَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ رَجُلاً مِنْ فِتْيَةِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ دَعَاكَ إلى مَأدُبَة فَأَسْرَعْتَ إِلَيْهَا تُسْتَطَابُ لَكَ الألوَانُ، وَتُنْقَلُ إِلَيْكَ الْجِفَانُ وَمَا ظَنَنْتُ أَنَّكَ تُجِيبُ إِلى طَعَامِ قَوْم، عَائِلُهُمْ مَجْفُوٌّ، وَغَنِيُّهُمْ مَدْعُوٌّ. فَانْظُرْ إِلَى مَا تَقْضِمُهُ مِنْ هذَا الْمَقْضَمِ، فَمَا اشْتَبَهَ عَلَيْكَ عِلْمُهُ فَالْفِظْهُ، وَمَا أَيْقَنَتَ بِطِيبِ وَجهِهِ فَنَلْ مِنْهُ... الخ» نهج البلاغة

يمكن أن نستفيد من هذا النقد التقريعي ما يلي:

- عثمان بن حنيف صحابي جليل شارك النبي ص والإمام علي في أغلب غزواتهم وله تاريخ حافل بالانجاز والعطاء وكان من النفر الذين تعاقدوا وتعاهدوا للاستشهاد دفاعا عن أمير المؤمنين ، ولو استعرضنا الرموز في زمن أمير المؤمنين ع فإن ابن حنيف سيكون في مقدمتهم... ومع ذلك لم يتردد أمير المؤمنين من توجيه النقد اللاذع إليه عندما ارتكب الخطأ.

- ليس بالضرورة أن من يختاره المعصوم و«يثق به» يكون معصوما، وليس بالضرورة أن العلم والتقوى والحسب والنسب والتاريخ الحافل بالعطاء يمنحون الإنسان حصانة مضادة ودائمة من شهوة الغرائز.

- رغم أن ما قام به ابن حنيف لم يكن بتلك الخطورة، وربما لم يتجاوز الموازين الشرعية، بل ربما يعتبره البعض من أبجديات العمل الاجتماعي، إلا أن الطبقة المقهورة من المجتمع كان لهم رأي آخر اقرهم عليه الإمام .

- النقد العلني للرمز المتصدي للشأن العام «ثقافة إسلامية» أصيلة... وبإطلالة سريعة على خطب الإمام علي ومراسلاته مع المخالف والمؤالف من الرموز يتضح لنا ذلك بشكل جلي... ويبدو أن الإمام ع أراد عامدا بهذا الخطاب العلني تحذير كل الرموز عن مثل هذه الأخطاء ولو كان يريده «سريا» لما عدمته الحيلة.

- لا ينبغي السكوت عن بعض تجاوزات «الرمز» حتى وان كانت خطورتها طفيفة لأنها قد تمهد الطريق لتجاوزات أكثر خطورة.

- من خلال مفردة «بلغني» ندرك أن أبناء المجتمع لهم حق مراقبة ورصد أخطاء «الرمز» المتصدي للشأن العام وانتقاده والتبليغ عنه بالوسائل السلمية المتاحة.

- قدم ابن حنيف للطائفة وللدين خدمات جليلة طيلة ما يقارب الأربعين سنة بكل نزاهة وإخلاص، ورغم ذلك لم تمنحه هذه الخدمات حصانة خاصة تجعله فوق النقد.

- إن انتقاد الرمز ومراقبته ليست من موارد «الغيبة» أو «التسقيط» أو «خط احمر» كما يحلو لبعض المتنطعين أن يروجوا له، ولو كان الأمر كذلك لكان أمير المؤمنين أول الناهين عنه... أما بعض المقالات النقدية التي يتم فيها تجاوز الذوق العام فهي وان كانت نادرة وشاذة إلا انه لا ينبغي أن تُتخذ ذريعة لإيقاف الحركة النقدية بالكامل، ولكنها بحاجة إلى تهذيب وتشذيب حالها حال الكثير من الشعائر التي طرأ عليها بعض التجاوزات.

- قد يقول قائل أن مدار الحديث أعلاه نقد صادر من معصوم أما عامة الناس فليسوا أهلا لمثل هذه الممارسة؟! جوابنا عليه أن ترك العملية النقدية هو عين ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو تكليف على الجميع... وتركها أيضا يمنح الرمز «صك عصمة» ليعمل ما يريد بلا حسيب ولا رقيب.

- هناك الكثير من الفوائد يمكن أن تُستنتج من الرسالة المذكورة تركتها للاختصار.