آخر تحديث: 3 / 3 / 2021م - 1:14 ص

صورة واقع ما بعد أزمة النفط

سلمان محمد العيد

انخفضت اسعار النفط من أكثر من مائة دولار للبرميل إلى ما يقارب الخمسين دولارا، وهي مرشحة  كما يري البعض  أن تصل الى العشرين دولارا.. وهناك إرادة جادة  من أكثر من طرف  للوصول الى هذا المستوى من الانخفاض في الأسعار.

وما أشبه الليلة بالبارحة، وما زلنا نتذكر ما جرى في العام 1989 حينما انخفضت الاسعار إلى أقل من 5 دولارات للبرميل، وكان أقصى ما وصلت سعر البرميل هو 40 دولارا بعد اندلاع الحرب العراقية  الأيرانية، وبالنظر لقوة العملة الشرائية ف 5 دولارات في ذلك الوقت تعادل 50 دولارا في هذا الوقت، بالتالي فالوضع متشابه، سواء نظرنا إليه ك ”أزمة“ سوف تطال كل شيء، أو نظرنا ك ”فرجة“ سوف تسهم في تحقيق بعض النتائج الإيجابية.

وما دامت الصورة متشابهة جدا، بين الحدث حينذاك، والحدث اليوم، وأظن أن العوامل نفسها، فهناك عملية إغراق للسوق، وإصرار من بعض الدول المنتجة على زيادة الانتاج غض النظر عن السعر، وتراجع في الطلب من بعض البلاد المستوردة، فضلا عن العوامل السياسية المختلفة التي كانت معركتها سوق النفط، والنتيجة هي انخفاض الأسعار.

السؤال الذي يلّح على الكثير من المواطنين، فضلا عن المراقبين والمتخصصين، يدور حول النتائج المترتبة على هذا الانخفاض في سوقنا المحلي.. والتي يمكن تشخيصها  من وجهة نظر شخصية  كالتالي:

أولا: هناك نتائج اقتصادية عامة، من قبيل العجز في الميزانية، وتراجع عدد بعض المشاريع، تضاؤل الفرص الاستثمارية، تراجع اجمالي الناتج المحلي.. ويفترض أن تشهد البلاد انخفاضا في اسعار بعض السلع المستوردة، خصوصا تلك التي تعتمد على النفط بشكل مباشر، ولكن ثمة ظلالا من الشك حيال هذا الأمر، بعضها لعوامل محلية، وبعضها لعوامل خارجية، فمن ينتج السيارة «مثلا» يتحكم  في الغالب  في سعرها، حسب معطياته وما يرمي إليه.

ثانيا: وكما حصل في منتصف الثمانينات، نتوقع ان يحصل في منتصف الألفية، حيث نتوقع زيادة عدد العاطلين عن العمل، تلك الحقيقة التي صرنا نرفض الحديث عنها حتى منتصف التسيعينات حتى ظهرت الحقيقة كما هي، فصار لدينا قناعة بوجود اشخاص عاطلين عن العمل، وصرنا نتحدث عن البطالة كمشكلة بحاجة إلى حل، وهي اليوم جزء من حياتنا اليومية، والانخفاض الجديد سوف يزيد من نسبتها، ويرفع من عددها، ولكن بطالة الأمس غير بطالة اليوم، فهذه الأخيرة واضحة ومعترف بها، وأكثر تأثيرا كونها تطال النخبة من المواطنين، من ذوي الكفاءات والمؤهلات.. صحيح أن العديد من جيل الشباب أبدع في العديد من المجالات بعد أفول الطفرة الأولى، وواصل أبداعه، ونأمل أن تكون هذه الأزمة فرصة لمزيد من الابداعات الشبابية في العلم والعمل والانتاج، خصوصا التوجه للمشاريع الإنتاجية، وهذا ليس ببعيد.

ثالثا: وكما شهدنا كسادا اقتصاديا بعد أفول الطفرة الأولى، نتوقع شيئا من هذا القبيل، فسلوك المستهلك سوف يتغيّر، وسوف يبحث عن السعر الأقل، ما يعني زيادة رقعة السلع ذات الجودة المتواضعة، فهي التي تتسيّد الساحة كونها تلعب على وتر السعر، فمن يقدم الجودة سوف يتراجع سوقه، ومن يقدم السعر الأقل هو الذي سوف يحوز على ثقة المستهلك.. وإذا كنّا نشكو من اخطبوط الرداءة والتقليد ونحن في ذروة الطفرة الثانية، فما بالك في الكساد الجديد الناتج عن انخفاض النفط، فسوف تأخذ وضعا مغايرا، ورقعة واسعة.

رابعا: وتبعا لذلك فإن سوقنا الاقتصادي سوف يكون مأوى جديدا لجيل جديد من المتسلّقين، بائعي الوهم، السرّاق، الغشاشين، المرتشين، والرائشين، أي أن مرحلة جديدة من الفساد الأخلاقي نتوقع أن تحدث. وإذا لم نتدارك الأمر فإن كوارث مثل سيول جدة سوف نشهدها، وليس بعيدا أن يظهر لنا بعض السماسرة الذين يخدعون السذج من الناس بأنهم يفتحون لهم فرصا معينة للتوظيف او للاستثمار بمقابل.. وكما شهدنا منذ منتصف الثمانينات تجارا يبيعون سلعا محرّمة كالخمور والمخدرات بحثا عن الثراء وكبديل للبطالة، فسوف نرى أن هذه الحالة تتضخم بفعل التراجع النفطي الحالي، وأكاد أجزم بأن من لديه السيولة فسوف يتاجر في العقار او في بيع الماعز الشامي، او مزايين الإبل، بمعنى إن جملة من التشوهات التي طالت اقتصادنا الوطني في تلك الحقبة سوف تعود مثل توظيف وغسيل الأموال، والعياذ بالله، وذلك على حساب المشاريع الحقيقية الصناعية على سبيل المثال.

خامسا: لقد كنا في مطلع الثمانينات نحقق إنجازات على صعيد الإسكان، وذلك بفعل القرض العقاري الميسر، والذي استفاد منه المئات من المواطنين، بل ان بعضهم هرب من مسؤوليته وسداد ما ترتب عليه، هذا الانجاز المفخرة تراجع بشكل مقيت بعد أزمة النفط في الثمانينات.. أما اليوم فقد أعيد هذا المشروع مع مشروعات أخرى تعتمد على السيولة التي توفرها عائدات النفط مثل الاسكان والابتعاث، فهذه المشروعات سوف تعاني بعض الصعوبات بسبب نقص السيولة.

تلك توقعات، وربما هناك صور أخرى يتوقع لها الحصول، كلها سوف تستمر إذا استمرت أزمة النفط، التي يتداخل فيها الجانب السياسي مع الاقتصادي مع البيئي.. والمزعج في الأمر أن هذه المشاكل التي تنجم عن انخفاض أسعار النفط إذا ولدت فهي طويلة عمر، فلا تنتهي بسرعة، فأسعار السلع الأساسية إذا ارتفعت فلن تعود إلى سابق عهدها، فهل يعود سعر الأزر الى 10 او 20 ريالا للكيس «10 كغم»..

أرقام الميزانية العامة مشجعة، لكنها رهينة بأسعار البترول!