آخر تحديث: 10 / 12 / 2019م - 11:13 م  بتوقيت مكة المكرمة

الشهداء.. شخصيات العام 2014

حسين العلق *

الشهداء مجتمعين، هم شخصية العام 2014 دون منازع. فليس هناك أغلى على الله من إراقة دم بريء، ظلما وعدوانا. الشهداء جميعا عند ربهم يرزقون، لا فرق بين أسودهم وأبيضهم، ولا في أي ساحة يقتلون. غير أني استميح كل الشهداء الميامين الذين سقطوا في سبيل قضاياهم العادلة عبر المنطقة والعالم، لأقف دقيقة صمت أمام  شهداء الدالوة في الأحساء، الشبان الثمانية الذين سقطوا ليلة العاشر من المحرم، لأضع على قبورهم أكاليل الرحمة، لما شكل مقتلهم علامة فارقة في تاريخ بلدنا، حتى استحقوا أن يكونوا مجتمعين شخصية العام 2014. 

إن واقعة سقوط شهداء الدالوة على يد مسلحي داعش ربما شكلت أنموذجا مثاليا لتحويل المحن إلى منح. فقد أراد الإرهابيون بفعلتهم الدموية تفجير الوضع الطائفي في المنطقة الشرقية بين المواطنين السنة والشيعة، عبر تكريس أسلوب الفعل ورد الفعل الطائفي المضاد، غير ان سكان المنطقة، كانوا منذ اللحظة الأولى أكثر وعيا وأكثر ذكاءً، حتى صح القول أن السحر انقلب على الساحر، فعوضا عن الأعمال الطائفية الإنتقامية التي دمرت بلدان الجوار العربي، رأينا لوحة تاريخية فريدة صنعها أهالي المنطقة، فكانت حالة التضامن عارمة، والخوف على أرواح ومنجزات البلد لا يعدله خوف، وبذلك نجح الجميع في تحويل المحنة التي هددت -لوهلة- بحرق الأخضر واليابس، إلى منحة كبيرة تحفظ الأرض والعرض والأنفس والأموال.   

يجادل البعض كثيرا، حول ما جناه الأهالي بعد الحادثة الدموية. بل ذهب البعض إلى اتهام الأهالي بالتفريط في دماء الشهداء، وهذه في تصوري نظرة قاصرة قياسا على الظروف السياسية القائمة. وبعيدا عن الخوض عميقا في حديث المكاسب والخسائر السياسية، احتراما لقدسية الشهادة والشهداء، أقول، لو لم يكن من أداء أهالي الدالوة بعد الحادثة إلا محاولة تجنيب المنطقة المزيد من المخاطر وشرور الأعمال الإنتقامية لكفاهم ذلك شرفا، ولاستحقوا جميعا منا كل التقدير والإحترام، فما بالك وقد فعلوا أكثر من ذلك بكثير.. ولا يزالون. 

لقد كشفت حادثة الدالوة المأساوية عن جانبي الخير والشر في بلادنا. فهي في الوقت الذي أماطت اللثام عن عدو تكفيري طائفي مشترك لكل سكان البلاد، كشفت في الوقت عينه عن جانب من واسع من الشرفاء من أبناء الوطن الذين سرعان ما استشعروا الخطر التكفيري، فلم يترددوا في شجب الحادثة وإبداء التضامن العابر للطوائف والمناطق.  لقد فتحت الحادثة الأعين على خطر حقيقي يستهدف الجميع المتمثل في تنظيم "داعش"، كما كشفت في الوقت عينه عن حالة اصطفاف وطني غير مسبوقة جمعت كل شرفاء الوطن. 

إن سقوط أي شهيد من أبناء البلد يمثل خسارة لا تعوض. وإذا كان هناك من موقف حقيقي إزاء الشهداء فينبغي ان يكون باتجاه المطالبة بحقهم سلميا، هذا أولا، والأهم من ذلك هو تجنيب البلاد خطر سقوط المزيد من الشهداء، عبر نزع فتائل التأزيم والنفخ الطائفي غير المبرر على هذه الساحة أو تلك. 

في بلادنا، لا أتردد شخصيا في اعتبار شهداء الدالوة مجتمعين، شخصية العام 2014 دون منازع. بالنظر لما أعقب الحادثة المأساوية من أداء اجتماعي مميز صب باتجاه تجنيب البلاد المزيد من المخاطر، اضافة إلى ما كشفت عنه الحادثة  من خطر تكفيري ماثل لا ينبغي ان نغمض أعيننا عنه لحظة، والأهم من ذلك ما خلقته الحادثة من إدراك وطني عام لهذا الخطر بات يجمع عليه كل شرفاء الوطن، فهذا الخطر لا يستهدف فئة بعينها وإنما يريد خراب البلد بأجمعه.

الرحمة لجميع شهداء الوطن.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 2
1
عائض
[ الدمام ]: 31 / 12 / 2014م - 9:50 ص
اللهم عليك بي الدواعش والله يرحم الشهداء بي رحمته
2
Natheer
[ القديح ]: 31 / 12 / 2014م - 5:21 م
معك حق .. فرغم رحيلهم إلا أن المكسب على الوطن كان يستحق دماء زاكية ..

واللحمة الوطنية تستحق أن يبذل من أجلها الدماء الغالية والأرواح الطاهرة
أوفقك الرأي عزيزي أبو علي ،
وأكرر أن الشهادة لا يلقاها إلا ذو حظ عظيم ..
كاتب سعودي