آخر تحديث: 17 / 2 / 2020م - 9:27 ص  بتوقيت مكة المكرمة

المبتعثون وتعاقب الشرف

الدكتور محمد المسعود صحيفة الاقتصادية

في أول هذا العام الميلادي الجديد لكم. أحببت أن أقول لكم، ما أجمل هذا الشرف الرفيع فيكم على صغر أعماركم، وما أجمل هذه العفة على تداني الزيغ، وتعاظم الرغبة. بحق فخورون بكم لأنكم طيلة ما مضى من الوقت كنتم أفضل من أحسن ظنونا، وأجمل من تصوراتنا المبتلاة بسوء الظن، وتغليب الفساد على الصلاح.. خرجتم من قيد إلى أفق مفتوح، وإذا بهذا الانفتاح فيكم بصيرة ويقظة عقل، والتزام يقوم على إرادة الاختيار.

ويسند ظهره على طهارة الباطن، لا على خوف العقوبة، ولا على عقوبة نبذ الناس من حوله، يقوم على الصدق هذا الذي بتنا نشفق كثيرا على أنفسنا لأنه بات أقل القليل منه فينا..!.

أنتم ربما تحملون الآن صدقا هو أطهر ما نحمله، وربما حملتم وعيا مداه أبعد من أحلامنا، وربما بلغتم ما لم نبلغ فيما مضى من سعينا ومعارفنا وخواتيم أعمالنا، ربما يوصلكم هذا الانفتاح المنضبط، وهذا الالتزام الواعي، إلى ما كنا نتمناه إلى أنفسنا دائما مجتمعا مفتوح العين، يقظ الضمير والبصيرة. لأنه يخاف الله بصدق المؤمنين في الوقوف بين يديه للجزاء والثواب.

تلك المقدرة العقلية التي جعلت أكثركم يتفوق. ويرتفع، ويحقق أمانينا فيكم، وأحلامنا المعلقة على نجاحاتكم المبكرة هذه، تلك النجاحات التي أنجبتها - مدارس حكومية - ليست فارهة بالضرورة، وليست نموذجية في مبانيها دائما، ولكن العزيمة منكم والصدق كانا أقوى من أقرانكم الأوروبيين والأمريكيين.

في هذا العام الجديد، وأنتم في وجع الغربة، في قسوة الوحدة، في قسوة مسؤولية التدبير، وقلق ما حولكم وبعضكم في مناطق شحيحة الأمن، بغيضة في عنصريتها، خسيسة النفس في قبول الملونين فيها. إلا أنكم ومع صغر سنكم تصبرون على هذه الأجزاء السيئة والصغيرة حتى تتكامل صورة النجاح الكبير فيكم.

لم يعد أحد منا يشعر أنه بحاجة إلى أن يلقي إليكم المواعظ، قلوبكم كانت هي الموعظة التامة بصدق الشرف، والعفة، والنجاح الكبير..!

في بداية هذا القرن كان اليابانيون يبتعثون أبناءهم لهذه الدول التي أنتم فيها الآن، وكان الخلاص الفردي يُعرض على النوابغ والمتفوقين منهم دائما، وكانت العروض تفوق أحلامهم..! ولكنهم بحسهم الوطني، ومحبتهم لأبناء وطنهم.. قرروا بناء اليابان بعلومهم الجديدة، وبهذه التضحية العظيمة في المكاسب الفردية، التي صيرت اليابان هذه القوة الاقتصادية والصناعية العظمى.

واليوم نحن نبتعث أولادنا إلى اليابان ليتعلموا منهم، وكذلك عدد غير قليل من الدول الأوروبية تفعل كما نفعل تماما، لقد بلغت اليابان الأقاصي البعيدة في تحقيق طموحها الصناعي العظيم. ربما من خلال التضحية بالمكاسب الفردية بعد النجاح والتفوق، والصبر على ضعف المسار مع ثبات الصواب فيه.

تكتمل دائرة التطوير والتنمية وبناء المستقبل. بكم سيتم الوعي للذات العالمية، وبكم سيلملم الوطن بعثرته من جزئيات متنافرة إلى وحدة عقل، وتخطيط. سنبني بكم هذه البلاد بالمعنى الذي تستحقه وترتقي إليه. شكرا لنجاحاتكم واستقامتكم وشرفكم الرفيع.