آخر تحديث: 28 / 10 / 2020م - 9:21 م

لأداء دوره الحقيقي والانطلاق نحو حرفية العمل المهني البناء..؟

متى يتخلص الإعلام العربي.. من عقد سجالات التجييش والتحريض..؟

أحمد علي الشمر *

«1 - 4»

هذه هي الحلقة الأولى للبحث حول هذا الموضوع الإعلامي الهام، الذي يعتبر من موضوعات الساعة التي ينشغل بأحداثها العالم اليوم، أتناول خلاله جزءا خاصا وهاما، مما يتعلق بالتداعيات الإعلامية العربية، بما يشير إليه العنوان أبدأه بهذه الحلقة، فيما أستكمل حلقاته الأربع القادمة تباعا.

وبداية أشير إلى أنه حتى يبدأ الإعلام العربي بأداء دوره الحقيقي والانطلاق نحو حرفية العمل المهني البناء، بعيدا عن تغييب القضايا الرئيسية الهامة التي يضطلع بها، عوضا عن انغماسه في سجالات التجييش والتحريض والتصادمات، واعتماد الوسائل الدعائية في أسلوب التعاطي الإعلامي الموجه، بتلك الوسائل والممارسات البدائية التسطيحية، أقول بعيدا عن ذلك هل يعمل القائمون على هذه المنظومة بالتخلص من هذه العقد والممارسات، حتى يؤدي الإعلام رسالته على أكمل وجه، ويصل لمرحلة العمل الإعلامي المهني البناء، بأصوله الفنية وقواعده العلمية الصحيحة..؟

فإذن دعونا أعزائي نتعرف على حقيقة بعض جوانب التداعيات، حول ما يرجح عن أسباب التصاق الإعلام العربي بالكوارث والمصائب التي حلت وتحل بأمتنا العربية والإسلامية وغياب الدورة الحقيقي للإعلام في مجالات التنمية وقضايا الأمة بشكل عام..؟

وأبدأ الموضوع في هذه الحلقة بتسليط الضوء على بعض الحقائق والأسباب التي أدت وتؤدي إلى التصاق المنظومة المحركة لهذا الإعلام وتداعياته في أسباب، الكوارث والأحداث الدموية، ونتعرف من خلال ذلك أيضا على جوانب هذا التردي المصبوغ دوما بهذه الأحداث التي تصاب بها أمتنا العربية، كما نتعرف على مكمن الدوافع ونشخص الأسباب التي تصطنع أو تختلق من خلالها الأزمات والتوترات والأحداث، والدور السلبي الذي يلعبه الإعلام في قضايا الأحداث في المنطقة العربية، والتي ما أن تتخلص من قضية ومشكلة، حتى نجدها وهي تغوص وتنزلق في أتون قضايا ومشاكل أخرى، أشد عنفا وأعمق فتكا وضراوة في فساوتها وأضرارها وأخطارها البليغة، بل وأمر وأدهى من كل سابقاتها، ومن المفارقات الساخرة، هو أننا نجد في هذا التكرار أن الإعلام لابد له وأن يكون حاضرا بدوره في إشعال هذه الأحداث..؟!

ولاشك أيضا بأن للجماعات المتشددة المتطرفة التي برزت على السطح خلال العقدين الأخيرين، بمختلف أيدلوجياتها ونهجها وتوجهاتها المتباينة، وبما تبلور خلالها من أحداث دامية فرضتها على الساحتين العربية والإسلامية تحديدا، لاشك بأن لها نصيب في نشأة هذه الأحداث، باعتبارها أحد أهم هذه المعضلات لظهوهذه التوترات الخطيرة، كما أنها كذلك من بين جوانب الإفرازات والمسوغات الرئيسية الهامة لنشأة واختلاق وتتابع بؤر ومنابع التوترات والأزمات التي تشهدها الأمة، ولكن في اعتقادي أنها ليست هي الأسباب الرئيسية الكلية لبروز واشتعال هذه الأحداث وتصاعد أغلب قضايا هذه الأزمات والتوترات التي تعيشها المجتمعات العربية والإسلامية، وإن كانت من العوامل الهامة والخطيرة التي لا يستهلان بها في تقويض محيط الاستقرار في عالمنا العربي والإسلامي كما ذكرت..!

في تقديري المتواضع، أن نهج وتوجهات السياسة الإعلامية العربية التي تتبعها منظومة الإعلام العربي حتى اليوم، هي الأسباب المسؤلة والكامنة وراء كل هذه التداعيات التي تشهدها الساحة العربية والإسلامية، والتي مهدت السبل لظهور وبروز معظم الظواهر الغريبة والشاذة والعنيفة التي انتشرت في المجتمعات العربية والوطن العربي بصورة عامة، ومن أهمها هو نشر ظاهرة الفكر المتطرف والثقافة التكفيرية المتطرفة لتلك الجماعات، والقيام باستعراض أعمالها الإرهابية التكفيرية من خلال بث خطابها وأفكارها وأخبارها وعرض ممارساتها الإجرامية الإرهابية..!

فعن طريق هذه المنظومة الإعلامية للأسف عرفت هذه الجماعات، فبدلا من أن يتم تحجيمها، أصبح يتم تبنى نشر وبث وإذاعة بياناتها ورسائلها، بل ولا تتوانى بحجة السبق الصحفي أحيانا لإعطائها الغطاء الذي يبرر أعمالها وممارساتها، بجانب القيام بإجراء لقاءات ومقابلات صحفية وتلفازية مع منسوبيها وأعضائها، كما قامت وتقوم هذه المنظومة الإعلامية بتعريفها وإطلاق المسميات الإسلامية عليها، بدلا من إعطائها التوصيف الحقيقي، بما يلاءم طبيعة ممارساتها الإجرامية ألا وهو «الجماعات أو العصابات الإرهابية الإجرامية المتطرفة» حتى أصبحت أسمائها متداولة ومعروفة بالأسماء والتوصيفات الإسلامية، الأمر الذي ساهم في إلحاق الضرر، بصورة الإسلام الناصعة وتشويه الإسلام وقيم السماحة الإسلامية في أنحاء العالم، وذلك بعد أن أصبح بث هذه الثقافة الإعلامية الاستهلاكية المشوهة، من عناصر القناعات والبديهيات المتكررة والمعروفة من منظور هذه المنظومة الإعلامية العربية..!

وببساطة يمكنني القول هنا، بأنه لولا وجود هذا الدعم المباشر وغير المباشر لهذه الجماعات من قبل الإعلام، لما عرف وانتشر الفكر المشوه بالصورة التي نعرفها اليوم، فمن السخرية أن توظف وتسخر وسائل إعلام كبرى ”خاصة وعامة“ جهزت أكثرها بأحدث وأرقى التجهيزات والإمكانات التقنية، والقدرات والكفاءات العلمية والبشرية، التي تقود هذه الآلة ليتم تسخير أعمالها بطريقة ارتجالية عشوائية تفتقد في مضمونها إلى طبيعة الحرفية المهنية للإعلام المهني الصحيح بوسائله وقواعده العلمية الحقيقية المتعارف عليها، وانحيازها عن هذا الخط، بإتباع وسائل تسطيحية بدائية تقوم على أعمال الإثارة العنفية الإرهابية، تساعد وتساهم في تقديم خدمة إعلامية سهلة ومتدنية ومتيسرة للمتطرفين، وتعطي بمردودات إيجابية لصالح دعم تلك الجماعات، حتى بدت هذه المنظومة وكأنها أداة ووسيلة طيعة، لخدمة حسابات ومصالح شخصية وآنية يقصد منها أعمال الإثارة، ولا تتعدى أو تتجاوز النظرة السطحية ذاتها في توظيف هذه الأعمال الإعلامية الموجهة، والتي أقل ما يمكن أن يقال عنها، بأنها تسير «بتشديد السين» لخدمة دوائر متشددة لتلك الجماعات، هدفها أغلبه ينحصر في موضوع التحريض والشحن والتجييش والتصادم وإثارة النعرات العرقية والطائفية، بجانب التكالب في إثارة السجالات حول إعادة واستدعاء الخلافات العقدية التراثية الإسلامية والمس والطعن بالعقائد الأخرى لهدف إذكاء هذه الصراعات المسفة، لا لشيء إلا لمجرد تصفية الحسابات بمحاولة انتصار فريق أو طرف على آخر، ينجم عنها وتجرنا في غالبية الأحوال كما تدلنا عليه التجارب المريرة لهذه العنتريات للأسف، أحداث كبيرة وخطيرة في عمليات الإرباك والتصادم والتقاذف الطائفي، وشن المزيد من هذه الحملات الإعلامية الموجهة، لصالح أطراف هذه أو تلك الجهات التي تقود هذه الوسائل، دون مراعاة للاعتبارات والضوابط والمصالح العامة والتنوع الموجود لمختلف المكونات الدينية والعقائدية في المجتمعات والشعوب العربية ووحدة الأمة، فضلا عن الاعتبارات الأخرى للجوانب الأخلاقية والدينية والإنسانية القائمة بين مختلف هذه الأطراف والمكونات وما يحكم العلاقة بينها من الجيرة وأواصر العلاقة والمحبة والشراكة في الوطن، وهذا بالتالي تقديم ونشر وبث هذا الفكر المشوه وفرضه كواقع مسلم به وثقافة عامة على المجتمع يجب التسليم بها وتقديمها بنفس هذه الصورة المنفرة على طبق من ذهب..!!

كاتب ومؤلف سعودي «سيهات»