آخر تحديث: 17 / 2 / 2020م - 9:27 ص  بتوقيت مكة المكرمة

الضمير الجمعي

الدكتور محمد المسعود صحيفة الاقتصادية

إذا دخلت مدينة ظهر لك من حالها، ضمير أهلها، وأخلاقهم، ودرجات الوعي والبصيرة فيهم! العوز البادي، والضعيف الذي يستعصر العطف من العابرين، والبائس الذي يستدعي العطية فتمانعه، والجائع الذي يلتقط بقايا موائد المترفين علها تشبعه! هذا الضعف والبؤس والجوع كلها تخبرك أنت العابر المبصر بأن هذه مدينة ضامرة الضمير، شحيحة الكرم، لئيمة العطية! خسيسة الطبع مع الضعفاء منها.

وأما الوعي فيهم.. فذاك تجده في العمران، وذكاء الطرق، وجمال المباني، واتساق كل شيء مع ما حوله، وما يلائمه.. كل شيء في المدينة يخبر عن أهلها، حتى تلك النفايات المتحركة في شوارعها، حتى تلك الأطعمة الصالحة للأكل الملقاة في براميل الحرق.. حتى غضب حركة السير واضطرابها، وعبوس العابرين، أو بشاشتهم، كل ما يفعله الإنسان يدل عليه، حتى الأشياء التي لم يقصدها، مثل سكون المدن عن النشوء والتطور وتخلفها فيه ينبئ، ويخبر، ويتكلم أيضا...!

وهنا يأتي عنوان ”الضمير الجمعي“ ضمير المجتمع الذي يمثل هويته الروحية والأخلاقية، وهذه الهوية أعم من الدين ونوعه، حيث قال تعالىإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴿. حال المجتمع هي صورته، وهي ذاته.. بعيدا عن حماسة الاصطفاء.. وبعيدا عن دعوى الفضائل التي تنسبها كل مدينة إلى نفسها، ولو بالافتراء على رسول الله  ﷺ  بهبة مجتمع فضائل تخصهم وبالمصادفة المحضة وفقط لأنهم ولدوا في تلك المدن الممدوحة أهلها سلفا، المسبغ عليها الفضائل والمكارم غمرا...

وبهذا تتحول فضائل النفس إلى جغرافيا.. وأماكن اصطفائية ينبغي أن يحالفك الحظ لتكون واحدا من المكرمين بالولادة فيها، والمذيلة بحديث نبوي لا ينبغي أن يماري فيه أحد.

الضمير الجمعي..! لا يمنح لأحد فضيلة لتلك الأسباب المتعلقة بمكان الميلاد، ولا يفاضل بين أبناء أدم بحسب  الحيوانات المنوية  المندفعة من سلالة القبيلة الطاهرة، وأصلاب ذكورها، القبيلة التي تعتقل بناتها في البيوت إن لم يأت إليهن خاطب من القبيلة ذاتها التي ترى نفسها أرفع شأنا، وأعلى منزلة من أن يناسبها أحد من غيرها..! وفي المقابل تجد فيهم الفقير المعوز، واليتيم الذي يستعطي اللقمة فلا ينالها إلا بنصب وعذاب..!

ضمير جمعي يفعل الشيء وضده، لأنه لا يملك الاتحاد مع نفسه، ولا يملك اليقين برقابة الله عليه، والأخلاق في حقيقتها هي تقاليد اجتماعية يتفاخر بها، وتتعاظم الذات من خلالها على الآخرين بذات عصبية الجاهلية الأولى وظلمتها، ومستواها..

ابن القبيلة قد يرتشي، وابن القبيلة يرشي، وابن القبيلة يفسد المنصب، وتفسده الولاية، ويفعل كل النواقص دون عفة، دون ضمير يردعه، ولا واعظ من نفسه. إلا أنه في نهاية الأمر يسوق إليك العجل الحنيذ بوصفه عنوانا لكرم القبيلة وفضيلتها.

وبهذا نشهد تراجعا في الضمير الجمعي الذي جعل الفساد يتعاظم في كل مكان، ومع كل فرصة متاحة وممكنة. متى ما أمن العقوبة ظهرت النفس بهشاشتها وقلة ورعها وضعف العفة فيها، عن المال العام وعن المال الحرام.