آخر تحديث: 26 / 9 / 2020م - 2:52 م  بتوقيت مكة المكرمة

رحيل الملك الصالح

الدكتور محمد المسعود صحيفة الاقتصادية

ترجل الملك الصالح، والصالح الملك عن هموم دنيانا، ترحل بقلوبنا التي أحبت فيه صدقه، وطهره، وإخلاصه. هذا الحب الذي انسكب حزنا مضنيا بفقده، ورحيله وغيابه عن دنيانا، رغم التسليم لله بقضائه وقدره رغم الإيمان أن جوار الله دائما هو خير الجوار، وأن منازل الآخرة لمن حكم فعدل بين الناس هي خير المنازل وأعلاها.

رغم هذا كله.. الحزن يسري في القلوب، ويثقل النفوس، فقد كان الملك عبد الله بن عبد العزيز.. فريدا بصدق، فرادة الملك الذي يخبر شعبه أن لقوته سببا من الله، وتلك الدعوات الصادقة الضارعة منهم هي السبب الآخر في توفيقه وسنده ومدد الله له بالقوة والحكمة والسداد.

من عرف الملك عبدالله يُدرك أن هذا الفقد سيظل معلقا في القلوب، وسيظل ظلال حزنه في كل نفس، في زمن ممتد طويل أجله، فقد توحد شعبه به، وتوحد هو بشعبه. هذه العلاقة التي كان قدرها عشرا من المثاني بين ضوء وضوء، وموقف وآخر كان الصالح الملك عبدالله، يقظ البصيرة، طاهر القلب، سليم النفس، يروي على الحياة فعله، كرمه، معناه، وفي كلها وبتمامها، كان جميل الفعل الجمال كله. والجمال بتمامه.

العواطف هي أقوى ما فينا، وإن هذا الحزن البادي العظيم من الشعب السعودي كله، هو أصدق تعبير على الحب الطاهر الرفيع النقي له.

حزن الرحيل هذا استوعب كل شيء، وبلغ بنفوس السعوديين جميعا حس الفراق الأخير بالوالد الرحيم. تلك الأبوة الرحيمة التي عاشها السعوديون في عشق رائع تجلى أمام الراحل في كل ظهوره عليهم، وكل مواقف حضوره فيهم

لعلها أول البشائر محبة المؤمنين، حركة قلوب الصالحين نحوه، ومسارها بالحزن الصادق عليه، لعل هذا هو الود الذي وعد الله الصالحين من عباده في أن ينبته في القلوب كما تنبت النباتات البرية دون حرث ولا غرس ولا تتابع سقي. ”سيجعل الرحمن لهم ودا“. ربما يكون هذا الحزن العظيم.. هو رسالة الشكر الأخيرة والصادقة لملك آمن بشعبه إيمانا لا يداخله ريب! ربما يكون هذا الحزن هو الحب الصادق الذي تتابع عشرا من السنين الثقال على الملك الصالح عبد الله، نجح خلالها بالعبور.. ثار كل شيء في محيطه، وطغى، ماجت شعوب ببعضها، تقلب كل شيء في غير ثبات ألقى بحبه على الناس حبا ورعاية وكرما.. نثارا من فيض قلبه.. ”إن كنتم في خير أنا بخير“ و”اعذروني إن قصرت“ واغفروا لي إن تأخرت الأمور عليكم.. تعاظم همه بشعبه، تعاظم إيمانه بالناس، حتى أتم الله عليه محبته للناس، ومحبة الناس له. حتى تمت عطاياه، حتى توالت سوابغ حكمته، حتى تباعدت في تطوير البلاد ومحاربة الفساد خطواته.. حتى ارتفع به الرجاء والأمل وساعة الفرج من كل ضيق..

كان هذا الرحيل الموجع القاهر لكل نفس.. قدر غالب بقدرة الله الغالبة وحكمته المتعالية، ولا يرد ولا يستبدل..

اللهم تقبل خادم الحرمين عندك بقبول حسن، إنك تحب المحسنين وأيم الله فقد حكم فأحسن للناس، وللعباد حتى مضى غفر الله ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وعرف بينه وبين نبيه محمد وآله وصحابته الطاهرين. اللهم آمين آمين آمين.