آخر تحديث: 25 / 9 / 2020م - 12:50 ص  بتوقيت مكة المكرمة

الحياة بين العرض والطول

الدكتور محمد المسعود صحيفة الاقتصادية

ابن سينا «الشيخ الرئيس» الحسين بن علي بن سينا  ميلاده كان في 370 هـ  وتوفاه الله في 427 هـ  ألّف أكثر من 200 كتاب في مواضيع مختلفة. أول من كتب في الطب في العالم.. منتهجا أسلوب أبقراط وجالينوس كان من أشهر أعماله كتاب القانون في الطب الذي ظل لمدة سبعة قرون متوالية المرجع الرئيس في علم الطب حتى القرن السابع عشر في جامعات أوروبا.

كان عقله فريدا في نبوغه، وفي التقاط الظواهر، ورصد التحول.. كان يرتاد الآفاق بعقله منفردا، متوحدا مع ذاته، أول إنسان تحدث عن أورام المخ، أول إنسان تحدث عن السل والعدوى السارية منه، ووصفه وصفا دقيقا لا يزال حتى الآن هو المرجع لتحديده. وكان أعمق الباحثين في تناول قرحة المعدة وتطورها، وهو أول طبيب قال بالأسباب النفسية بوصفها علة تامة في المرض.. وتحدث عن الأورام السرطانية وسرها الغريب في الفتك بضحيتها.. كان أول من كشف ما يسمى انقباض عضلات العين.. وكانت له نظرياته الخاصة في الأمراض العقلية.. وسبيل علاجها، والتركيز عن تقسيمها التقسيم المفضي إلى اليأس من بعضها، وعدم اليأس من علاج البعض الآخر.

هذا العبقري يرجع له الفضل العظيم أيضا في كشفين عظيمين.. الأول الحقن تحت الجلد والآخر هو التخدير التام والكامل للمريض قبل الجراحة.. من خلال العقاقير، الذي استمر بعده حتى يومنا هذا، ومن نبوغه أنه كان قد حفظ كتاب الله كاملا وهو ابن ثماني سنين. وكان يثير أسئلة يعجز أستاذه عن الجواب عنها فكان يعاقبه بالضرب.. المبرح.. حتى لا يعاود إحراجه.. إلا أنه كان لا يتوقف لحركة عقله الدائمة رغم صغر سنه.

هذا نبوغ طاوعته المقادير بحدود زمانه.. وبحدود مكانه.. وبحدود فقر أسرته وعوزها، كانت له حتى الآن نظريات صالحة لرسائل علمية، لأنه لضيق وقته وتركيزه على موضوع محدد في كل مرة.. كنظريته  القصور في الإدراك  والذكاء المشكوك  وتفاوت المسافة بين العاقل والعالم  العلم والعقل  فرب عالم عقله صغير ورب عاقل بلا علم. كان يرسل نظرياته كأنها شهب كأنها ومضات برق لا يتوقف عندها، لا يشبعها، لا يشير إليها بوصفها وهجة نور وقبس هدى.. كان يلقيها متيقنا أن أجيالا ستأتي بعده.. ستعود إليها عودة المتأمل لعمقها ولتنوع المعرفة في دلالتها ومعانيها.

من هذه النظريات الجميلة للشيخ الرئيس ابن سينا هي نظريته للحياة التي كتب يقول في واحدة من ومضات الشهب كعادته دون أن يستوفي أو يفيض.. «الحياة قصيرة عريضة خير من طويلة ضيقة» يعني لا يهم كثيرا كم تعيش لأيام أو لسنين، والأهم كيف تعيشها. كيف تستثمرها.. كيف تنشر نعيمها وتطويها.. كيف لا تطويك هي على خساسة نفس، أو وضاعة بخل يعجزك عن البذل لذاتك ولمن تحب، ألا تطويك غنيا في فقر، وفارغا في شتات، وصحيحا في وهن نفس، ومرض طبع، وموت قلب أن تعيشها ولو كانت قصيرة عريضة في راحتها، وسعادتك بها، ورضاك عنها.. ورضاها عنك، أن تنسجم أول الأمر مع قلبك وربك وأن تعيش الرضا بعد هذا بتمام تسليم الموج وأصابع الريح إن تهادت وإن تعالت، تصعد حيث ترفعها المقادير راضية.. وتنخفض بذات التسليم والرضا.

لأنك في الحالين تعيش الحياة تامة كاملة بغير نقص.. تعيشها عريضة كموجة البحر ولو كانت قصيرة، لأن الحياة تقاس دائما بنوعها لا بعدد السنين فيها. وبهذا يكون كل يوم هو عمر كامل تام إن عشته بتمام الحضور والجمال والرضا.