آخر تحديث: 25 / 10 / 2020م - 12:51 م

شجاعة التغيير

ياسين آل خليل

يتخرج طلابنا من جامعات عريقة ويحصلون منها على شهادات في مختلف التخصصات التي تؤهلهم للتقدم لسوق العمل بروح عالية على أمل أن تتوج جهودهم بوظيفة تتناسب والمجهود الذي بذلوه والتخصصات التي تفانوا للإبداع فيها حتى حققوا أمانيهم وتخرجوا. إلا أنهم ما أن يلتحقوا بسوق العمل حتى يكتشفوا أن تلك الأعمال والوظائف التي حصلوا عليها ليست لها علاقة تذكر بتخصصاتهم، أو أنهم وجدوا أنفسهم في بيئة خاملة تعيش الروتين بكل تفاصيله مما ينتهي الأمر بهؤلاء الخريجين لأن يفقدوا معظم حصيلتهم العلمية التي تلقفتها عقولهم على مدى السنين الخمس التي قضوها على مقاعد دراستهم الجامعية وفي وقت قصير. وهكذا يُطمٓس العلم والمعرفة لدى هؤلاء المُشٓهٓدين وتبقى الشهادات والمسميات وكأن شيئاً لم يكن.

في هذه المقالة، التي سأحاول إيجازها بقدر المستطاع، سأتحدث عن المهندس المدني بالتحديد وما له من دور فاعل في تعزيز الجودة العالمية وما ينتج عنها من حياة مريحة مستدامة ينشدها الجميع.

القاموس يُعٓرف المهندس على أنه ذلك الشخص الذي يصمم، يبني أو يقوم بصيانة المحركات والآلات أو الأشغال العامة. أما الويكيبيديا فتُعرف المهندس بمن يمارس مهنة الهندسة ويعمل على تطبيق المعرفة العلمية والرياضيات ببراعة لوضع الحلول للمشاكل الفنية والمجتمعية والتجارية. دُور العلم هي الأخرى وضعت تعريفاً للمهندسين وقالت فيهم أنهم أناس يعملون لحل المشاكل والتركيز على جعل الأشياء تعمل بشكل أكثر كفاءة وفاعلية، وأنهم يقومون بتطبيق النظريات ومبادئ العلوم والرياضيات لبحث وتطوير حلول إقتصادية لمشاكل فنية.

بعد هذا العرض الموجز من التعاريف لمهنة المهندس وما المتوقع منه، سأدخل مباشرة إلى صلب الموضوع والذي يدور حول ماهية عمل المهندس المدني وهل هو فعلاً يقوم بأعمال الهندسة التي درس وتخرج ليعمل ويبدع فيها حتى نستطيع أن نقول أن استثمارنا في عقول الشباب له مردود يفوق تلك المليارات التي أُنفقت لتعليمهم في الداخل والخارج، والشواهد كثيرة ويمكن للإنسان العادي أن يستنتجها من خلال ما يشهده في البيئة التي هو أحد مكوناتها. أما تزايد أعداد الأجانب بدلاً من تناقصهم فهذا استنتاج لا يقبل الشك على وجود خلل يعيق عملية الإستثمار تلك والتي من المؤمّل أن تنتهي بتوطين الوظائف ذات الطابع الحرفي كالهندسة، إلا أن النتائج العكسية الملموسة والتي أتت مغايرة لخطة الإستثمار، باتت تثقل كاهل الدولة والمواطن على حد سواء.

من أهرامات مصر لاستكشاف الفضاء والمهندس المدني يواجه تحديات المستقبل، فهو الذي دفع عجلة الحضارة لمحطات متقدمة وأوصلنا إلى هذا النمط من الحياة الذي نعيش في بحبوحته اليوم. فالنمو السكاني والثورة التكنولوجية وتطلعاتنا لعالم واعد هو أكثر راحة وملائمة لمتطلبات العصر، جعلنا مطالبين كمهندسين مدنيين بأن نكون أكثر إبداعاً مما كنا عليه لإيجاد حلول لكثير من المشاكل، سواء كان ذلك يدخل في تصميم الطرق أو وضع بدائل لتحل محل تدهور الجسور وتخفيف الإزدحامات المرورية، أو إعادة هندسة البنية التحتية وما يتناسب وتطور مجتمعاتنا الحضرية.

في دول العالم الأول وخلال القرن الماضي قام المهندسين المدنيين بدور فاعل، يدعوهم للفخر، أهم معالمه بناء السدود والقيام بإمدادات المياه النظيفة وتدشين الطرق السريعة والجسور وأنظمة النقل الحديثة، وأنظمة المجاري والصرف الصحي، وتركوا بصماتهم في الكثير من جوانب الحياة اليومية التي يلمسها المواطن وهو ينتقل من منزله إلى أي بقعة كانت من بلده الرحب الواسع. اليوم المهندس يحتضن مجموعة من المواقف التي تُفٓعل المعرفة والمهارات وتسهل من ممارستها المهنية في الصناعة والتعليم.

احتضان المهندس لتلك المواقف برز عنه سلوكيات عديدة منها الإبداع وريادة الأعمال التي تؤدي للوصول إلى فرص وإمكانيات لم تكن متاحة للتطوير من قبل. التفاؤل هو الآخر برز في مواجهة التحديات والنكسات، وبات يعترف بتلك القوة الكامنة في الرؤية والإلتزام والتخطيط والمثابرة والعمل الجماعي والتي يجري تقاسمها مع المهن الأخرى.

خريجي العلوم الهندسية هم بحاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى للتشجيع وإدراج أسمائهم في برامج تطويرية كالتصميم والبناء لإعدادهم لمهن كالتخطيط وتشغيل المباني المستدامة والبنية التحتية لتعظيم قيمتهم في دورة الحياة الاقتصادية ومساهمتهم في الوظائف ذات الطابع الخدمي والبيئي والمجتمعي. برنامج التعليم التعاوني، والتي أخذت بتطبيقه بعض الشركات، لايقل أهمية عن مثيلاته من البرامج التطويرية الأخرى التي تلعب دوراً ريادياً في تأهيل الخريجين من المهندسين، إلا أن توسيع دائرة التطوير لتشمل جميع المؤسسات ذات العلاقة وتمديد فترة التدريب لتصل إلى عامين على الأقل لفترة مابعد التخرج، هدف سام ما أن يطبق حتى تتجلى محاسنه وتعم فوائده لتصل لمستويات نكون فيها راضين عن مخرجات التدريب والتطوير، عندها فقط يمكننا أن نفخر بأن لدينا موارد بشرية يمكننا نعتمد عليها في الرخاء والشدة.

القيمة الحقيقية لبرنامج التعليم التعاوني أو ما يطلق عليه ب «co - op»، تكمن في كونها تجربة تعطي أرباب العمل فرصة لإلقاء نظرة عن قرب على الطالب كموظف محتمل، دون اتخاذ أي إجراء للعمل على المدى الطويل. وعلى نحو مماثل يعطي البرنامج التعاوني هذا فرصة للطالب للنظر في أقسام الشركة التي يتدرب فيها لكسب بعض الخبرات قبل الدخول إلى معترك العمل الحقيقي.

اليوم أين نحن من كل ماتم استعراضه في هذه العجالة؟ هل نحن أمام انعطافة تقلب الطاولة على بعض النظم البالية التي مازالت نافذة والتي تصر بعض المؤسسات والشركات على العمل تحت مظلتها، والتي لم توصلنا حتى هذه اللحظة إلى أطراف المدينة الحلم؟ أم نحن أمام نقلة نوعية يتأثر بها أرباب العمل كما مهندسينا بما يجري في العوالم الأخرى من تحولات دراماتيكية على كل الأصعدة. نعم نحن بحاجة إلى ذلك التحول الذي يطال المهندس نفسه فيحوله من ذلك المهندس التقليدي الذي ألفناه إلى مهندس صاحب رؤية مستقبلية لا تقف عند حد.

اليوم المهندس بحاجة الى هزة أو عصف داخلي يؤسس أولًا إلى نقلة نوعية تعيد له نشاطه الذي سُلب منه والذي سيمگنه من إعادة هندسة ذاته، ولا منتهياً بنظرة ثاقبة إلى الطريقة التي يتعاطى فيها مع الأشياء من حوله. مساراً يحمل بذور الأمل متحدياً الصعاب ومتجاوزاً العقبات ومتسلحاً بالعلم والإيمان لمواجهة تحديات الغد ومواكبة التقنيات المتغيرة لقيادة الذات نحو مستقبل زاهر وواعد لوطن يفتخر بأبناءه ويفتخرون هم أيضاً لانتمائهم إليه. السؤال هو هل نحن كمؤسسات ومهندسين وقادة نمتلك شجاعة التغيير، أم أننا سنكتفي بالوضع الراهن وكفى؟