آخر تحديث: 19 / 2 / 2020م - 8:43 م  بتوقيت مكة المكرمة

أزمة بين المشرع والانتخاب..!

القضاء الجعفري

القاضي في هذه الدائرة كالراقص على الصابون سقوطه مسألة وقت ليس أكثر، ولن يملك أحد أن يدفع عن نفسه الإقالة المذخرة له مع قرار التعيين، فالتوازن عسير لمن يرقص فوق صابون هذه الدائرة الكثيف والمتنوع.

سوف أتناول على عجلة متعمدًا أهم الملاحظات في منزلقات هذه الولاية الطاردة لمتوليها، متورعا عن التشخيص:

أولا: انعدام الانتخاب لأن القضاء لا يولى عليه رجل والناس له كارهون لولايته، إما لعدم إيمانهم بأهليته العلمية، أو عدم ثقتهم بنزاهته، وعفة يده. وحين يكون هذا المنصب بالذات «قاضي المحكمة الجعفرية» يجب أن يكون القرار تمثيلا لقناعة المجتمع بهذا القاضي المرشح بحكم الضرورة، لأن الخصوصية - الفقهية - في تباينها وتقاطعها، في مفارقتها وفي التقائها مع المذهب الرسمي للدولة مذهب «الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى». يجعل الولاية هنا مشروطة برضا المجتمع بالأهلية التامة والمطلقة لمن يمثلهم ويحكم فيهم حاكما في أوقافهم وفي أحوالهم الشخصية إستنادا لمذهب الإمام جعفر بن محمد الصادق .

وهذا لم يتحقق في كثير من حالات الولايات السابقة. وأحيانا جاءت الولاية على كره من الناس، ومعاندة لرغبتهم، وتجاهلا متعمد لرضاهم من عدمه. وتلك قصة بات الواجب يفرض الوقوف على أسبابها بعيدا عن النشر، للمصلحة الوطنية، من أجل تجاوز خلق الأزمات المجانية بين الدولة والمجتمع.

هذه ولاية تقتضي وجود صفات مضافة بخلاف القاضي في المحاكم العامة، وحيث إن اجتماع الناس على رجل واحد في مجتمع غير قبلي، وليس من صفاته النفسية والاجتماعية، التعصب والعصبية الجمعية على زعيم واحد، يجعل الرضا بالإجماع لمرشح واحد، طلب ممتنع تحقيقه في الواقع الخارجي، إن لم يتحرك هذا الواقع، للمناكفات والتزاحم، والتدافع السلبي، للوصول لهذه الولاية المتواضعة جدا في صلاحياتها، والفقيرة حد الشفقة في ما يعجز المتولي عنه، وما لا يدفعه عن نفسه من قلة الحول والطول، إلا أن هذا لم يحول دون الرغبة المجنونة فيه، والسعي العنيد للاستئثار به. مما يوجد قلقا عند المجتمع له صلة بتقديم المصلحة الشخصية على المصلحة العامة.

ثانيا: الفقر في الصلاحيات، وزارة العدل حولت المسمى من محكمة لدائرة، وجعلت لها لائحة تنفيذية، هذه اللائحة هي بذاتها التي قادت أحد القضاة وعدد من الموظفين السابقين، لتقديم استقالتهم احتجاجا عليها في حينها، لأنه بكل بساطة جعلت المتولي مأذون أنكحة، ورئيس لجنة صلح أهليه، ولا يملك حق النظر في أي قضية منظورة أمامه - المادة السابعة - من لائحة الدائرة، ولا يملك حق الفصل في الخصومات، والمنازعات، ولا إصدار الأحكام القضائية، ولا مخاطبة جهات التنفيذ، ولا أي صلاحية يتمتع بها أي قاضي حتى ولو كان قاضيا في دائرة شرطة المرور.

وبهذا تحول هذا المنصب عمليا لمكتب توثيق عقود الطلاق والنكاح للطائفة الشيعية. فحتى المواريث لا يملك القاضي أن يلزم أحدا بالقسمة التي يجريها، ولا تعتمد المحكمة العامة، تلك المقاسمات الصادرة من هذه الدائرة، ويجوز ينقض هذه المقاسمات بدون الحاجة للرجوع إلى محكمة الاستئناف، مما يعني أنها صادرة من جهة غير معتبرة في القضاء، وبالتالي هي منصب شرفي، لمأذون نكاح وطلاق، يحظى بلقب قاضي مع وقف التنفيذ. وهذا الحال يجعل عددا غير قليل من أهل العلم والفقهاء يزهدون فيه ويعتذرون عن توليه.

مما يضاعف مشكلة الناس، والدولة مع ولاية الجاهل وغير العالم. فيكون فساده أكثر من صلاحه، والسفه منه أكثر من الرشد.

ثالثا: عدم التأهيل والتدريب المهني. في الوضع الطبيعي يتولى القضاء المرشح له بعد - الملازمة القضائية - وهي تدريب تطبيقي على كافة الإجراءات، وتطبيق الأنظمة، والطرق التعبيرية للأحكام القضائية، وأسبابها. في مدة تستغرق عامين كاملين بدوام كامل، يتخلله حضور جلسات التقاضي، ثم النظر المشترك، ثم النظر المستقل.

بينما تأتي الولاية هنا مباشرة في التولي دون أي تأهيل لها أو تدريب لمتوليها، أو تعليم للأنظمة والأصول القضائية. وهذا سبب جوهري في تهافت الكبار في أخطاء يفترض أنها صغيرة، والتعثر بالمخالفات الصادمة، الناشئة من الجهل بالنظام، واستغلال من هو على علم به، مع حاكمية علاقة حسن الظن الموروثة في المفهوم الحوزوي الشيعي.

والنتيجة أن هذا المنصب الفقير المتواضع في أزمة حقيقية، ما لم تعيد وزارة العدل النظر في المهام والصلاحيات، وفي طرق الاختيار، وفي التأهيل والتعليم والتدريب. وفي إيجاد القواسم المشتركة التي تعيد لهذه الدائرة لقب المحكمة الجعفرية أسوة بباقي دول الخليج العربي، وبصلاحيات حقيقية تجعل للولاية مكانتها الحقيقية، واحترامها اللائق بمكانتها، وهذا خير من تركه لمن درج إليه طالبا بضرس حاد قاطع، وبقصائد الشعر المنحول الفاضح بتهافته وقبحه، وبالتزكيات المزورة. وبما هو معروف ومعلوم وسائله وطرقه بما لا يحتاج إلى لفظ ولا يفتقر إلى إفصاح.

المصلحة الوطنية توجب الصدق في النصح، وبيان حقيقة الحال بعيدا عن طلب الرضا إلى أحد من الخلق، لأن رضا الناس غاية لا تدرك.. ورضا الله قريبة المنال لمن أناب إليه. وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
علي أحمد
7 / 2 / 2015م - 8:00 ص
للأسف هذه القضية اهملها اهل القطيف
نشكر الكاتب على مناقشتها