آخر تحديث: 28 / 10 / 2020م - 9:21 م

للانطلاق لحرفية العمل المهني البناء..؟

متى يتخلص الإعلام العربي.. من عقد سجالات التجييش والتحريض؟ «3 - 4»

أحمد علي الشمر *

هذه هي الحلقة الثالثة من هذا الموضوع الإعلامي، وللتذكير فقد كنا قد تناولنا في الحلقة الثانية بعض التداعيات الإعلامية العربية، ومدى تأثر الإعلام الخليجي بالخطاب التحريضي الذي يحاول البعض جره إلى قضايا الشحن المذهبي والتطاحن الطائفي، وهذا خلافا لما كان يسود بلدان المنطقة من استقرار أمني وإعلامي، وقد أشرنا إلى أن المنطقة كما هو معلوم، هي منطقة هادئة تحفل بتنوع سكاني يتعايش فيها مختلف المكونات الدينية، بأمن ووئام منذ عشرات السنين، وبحيث لم تسجل فيها ولله الحمد حوادث أو سجالات عنفية متطرفة تذكر، إلى أن جاءتنا أخيرا موجة ما يسمى بالربيع العربي، وتردى الأوضاع الأمنية في بعض البلدان العربية وانهيار منظومة التعاون العربي، وسيادة الإعلام التحريضي المغذي للفكر الطائفي المتطرف، والانغماس في تعميق شرخ الفرقة بين المجتمعات والمكونات العربية، والدفع بهذه الممارسات الخارجة عن طبيعة الحياة الهادئة المستقرة التي ألفناها، للمناطق المستقرة بما فيها منطقة الخليج، التي عمل لجرها إلى أحداث التوترات، ومحاولات نشر الفوضى وسجالات التصادم الفكري وتوتير وتمزيق وتفتيت عرى العلاقة والمحبة والتعاون والروابط الدينية والأخوية القائمة، التي حكمت أوجه العلاقة بين مختلف مكونات شعوبها منذ سنين طويلة.

وفي هذه الحلقة الجديدة نتناول جوانب أخرى هامة، تتعلق ببعض مسوغات التداعيات الأخرى، التي يدفع بها للمنطقة للأسف بعض المحسوبين على إعلامنا العربي وبعض الخليجيين من نخبنا الفكرية والإعلامية.

فمن المفارقات والكوارث المدمرة والدواهي العجيبة، التي أصابت المواطن العربي في مقتل، هو أن يكون أغلب النخب الثقافية والفكرية والإعلامية، هم من نفس وذات مجتمعاتنا الخليجية والعربية، وبأنهم للأسف المسيسون الذين يوجهون وسائل إعلامنا، بزخم وركام كل ذلك الضخ الإعلامي الاستهلاكي المزيف من ذلك التنظير التضليلي الوهمي التصادمي الهلامي الترهيبي لمهاتراتهم وتنظيراتهم، التي تصب في معظم خطاباتها في جانب الفرقة والتمييز والتأجيج والتجييش بين مختلف المكونات، وهي أفكار وتنظيرات باطلة لا سند ولا دليل ولا مصدر لها، ويستقونها تارة من أفكارهم المفلسة، وتارة أخرى من مصادر الكتب الصفراء وبعض الفتاوى والدعاوي، التي يروجونها، لهدف دفع العمل التحريضي للمكونات وصنع العدو الوهمي، وإشاعة الرعب والخوف، وزرع الأوهام والخرافات المدعمة بالأدوات المزيفة والأكاذيب الفارغة والهدامة، التي يتناولونها ويزرعونها في عقول ونفوس أبنائنا وبناتنا، والتي يكون مؤداها في نهاية المطاف، هو زعزعة الاستقرار الأمني والاجتماعي بين مكونات المواطنين، وإلحاق الضرر بعلاقاتنا العامة والخاصة على الصعيدين الداخلي والخارجي، وإحداث المزيد من الهزات والتداعيات والإحباط والانهزام والفشل، وبث الرسائل المحبطة التي يبعثون بها، إلى ضمير الأمة والمواطن العربي بصورة عامة بمختلف مكوناته، وهو الأمر الذي أصبح يمس جوهر ومصداقية الإعلام العربي نفسه، الذي يتحدثون باسمه بتلك الهشاشة والسطحية، بعيدا عن الأمانة العلمية والحرفية المهنية..!

وهذا بالتالي بكل أسف، ما أدى إلى بروز آثار وظواهر سلبية لا حصر لها في أغلب محيط مجتمعاتنا العربية بمختلف مكوناتها الدينية والمذهبية، كنتيجة حتمية لهذا السلوك الأبله، في نشر وإشاعة هذا الخطاب العنصري الطائفي، وبما يصاحبه من تلك الممارسات والمظاهر والظواهر السلبية السيئة، التي عمت وانتشرت وبرزت على السطح في جانب هذا التأجيج، وبشكل أثر وانعكس على مجمل السلوكيات والعلاقات التي طالت مجمل قطاعات وشرائح مجتمعاتنا العربية، وحتى أدى استغلال حملات هذه التعبئة وهذا التجييش والشحن التعبوي التصادمي، بمختلف أجهزة ووسائل وأدوات الإعلام المتباينة، من صحافة وإصدارات عامة وخاصة، وبما في ذلك الضخ الإعلامي المسموع والمرئي المؤدلج ومعه إعلام التواصل الاجتماعي، وأيضا بمساندة ودعم حثيث ومستمرلايتوانى ولا يكل ولا يمل، من ذلك الخطاب التحريضي أيضا الموجه عبر المنابر والمحافل الدينية والثقافية، التي تديرها وتقودها الأفراد والجماعات الدينية المتشددة خصوصا، أقول بأنه قد أدت كل هذه الأعمال العقيمة والمتواصلة، سواء طيلة سنوات الربيع العربي أو حتى ما قبله أيضا من تلك الممارسات التحريضية، أقول أنها قد أدت ونتج وأثمر عنها للأسف كل هذه التحولات والتداعيات الخطيرة، وكنتيجة طبيعية أيضا لما جاء بهذا الضخ والسيل العارم لكل هذا الركام المشوه، من تلك الأدوات وصناعها من المحرضين الذين يقبعون خلف وسائل الإعلام والنشر المطبوع والمسموع والمرئي، مما يتم تسخيرها وتوظيفها لصالح سجالات الشحن والتجييش والتحريض والتكفير، حيث يتم بواسطتها حقن أفكار وعقليات الشباب والجيل الطالع، باختلاف وتباين قدراتهم ومستوياتهم العقلية والفكرية، ليس نحو البناء والتنمية وإنما من أجل الهدم والتخريب والتضليل والتزييف والنيل من وحدتنا الوطنية..!

فمن هذه الممارسات المشبوهة على سبيل المثال لضرب هذه الوحدة، هو خلق وهم تلك الأسطورة الرهيبة، لأكذوبة البعبع الشيعي المخيف، الذي يريد التمدد والانتشار وابتلاع منطقة الخليج على حساب أهل السنة «وبما في ذلك جرنا إلى استدعاء قضايا تاريخية نافذة عفا عليها الزمن، وإثارة وتوظيف هذه السجالات الطائفية» التي ليست أصلا بمجال ومحور اهتماماتنا أو خلافاتنا السياسية الطافحة على الأقل على سطح الأحداث الراهنة للربيع العربي، وهو الأمر الذي أدى بالتالي إلى نمو وتزايد كل هذه الإرهاصات والمحاور، وبروز ظاهرة هذه التيارات والجماعات وأصحاب النزعات المتشددة والمتطرفة من جميع الفرقاء، ليس في منطقتنا فحسب وإنما تجاوز تغلغلها أيضا كظاهرة عربية إسلامية عامة، للأسف سيئة السمعة والصيت غزت أنحاء متفرقة من العالم..!

ومن المضحك المبكي، بأن يكون أغلب ما يثيره الإعلام العربي، من كل هذا التضليل الإعلامي المؤجج، لإثارة الحساسيات والنعرات والفتن الطائفية والمذهبية، مصدره ومبعثه هو الإعلام العربي نفسه، ممثلا ببعض تلكم النخب من المفكرين والمثقفين والإعلاميين العرب الذين حادوا عن رسالتهم، وأخذوا يتحفوننا بذلك الكم الهائل من حصيلة مدخراتهم المفلسة من تلك التحاليل والبحوث والتنبؤات المضللة الفاشلة، التي أصبحت تصب الزيت على النار وتزيد فتيله إشتعالا..!

ولكي لا نذهب بعيدا.. هاكم مثالا صارخا أسوقه هنا، كدلالة واضحة على بعض مصادر هذه النماذج التي تدلل على مصداقية تلك الحقائق الدامغة المرة المؤلمة لحال أوضاعنا الإعلامية، زيادة على مآسينا ومعاناتنا مع قضايانا الحيوية، وهو مثال حي وصادق، يبين ويدلل على ما أشرت إليه في جانب ذلك التجييش والتعبئة والشحن الطائفي، لتأجيج الصراعات والخلافات في المنطقة الخليجية، ألا وهي تلك الترهات والتخرصات، من التنظيرات المفبركة «الغبية» التي طالعنا بها أستاذ جامعي خليجي طالما كنا قد احترمناه وقدرنا له سابقا، بعض أطروحاته وتنظيراته الإعلامية الرصينة، ولكنه للأسف ما لبث أن أنقلب على عقبيه عبر هذه التنظيرات المخلة للأمانة الأخلاقية والأدبية لرسالته، فأخذلنا وأحبط تطلعاتنا بفشله وانضمامه، إلى قائمة المتخاذلين الذين تخلوا عن دورهم النهضوي من بعض أقطاب القوميين والمثقفين العرب الذين شاخوا وأفل نجمهم، بعد أن كانوا محط الآمال التي كان المواطن العربي يطمح إليها، في قيادتهم ودعمهم للمشروع العربي الناهض، ولكنهم قد أخذلونا، بعد أن أصبحوا للأسف ضمن تلك الدائرة المعنية بعقدة إحباطاتنا ونكساتنا العربية والقومية، وهكذا كان للأخير مساهمته السلبية في خلق وصنع وهم أسطورة وخطر البعبع الشيعي، الهادفة لبث الخوف والرعب في ذهنية المواطن العربي والخليجي خصوصا، وأظن أن ما طالعنا به من تلك التنظيرات البائسة، وهي فيما يبدو ليست الأخيرة، حول تلك الخزعبلات من الترهات والقصص الخيالية عن الغزو الإيراني والمد الشيعي، الذي يستهدف دول الخليج وما أسماه بالطابور الخامس في منطقة الخليج، ويعني به شيعة الخليج الذين سيقدمون الدعم لهذا الغزو، على حد هذا الزعم التخريفي، بعد أن جردهم من انتماءاتهم وولاءاتهم الوطنية والقومية لبلدانهم التي يشهد القاصي والداني على إخلاصهم وتمسكهم بوحدتهم وبتراب وطنهم، والذين لا يحتاجون لمثل هذا الدعي أومن هم على شاكلته لتقييم أوضاعهم وإثبات ولاءاتهم، وتلك لاشك خزعبلات ودعاوي رخيصة وقصص عجيبة انطلقت من نافوخ هذا الدعي دون مسؤولية، وهي مزاعم لاشك أنها تنطوي على استنتاجات ملفقة وفارغة من أي مضمون، بل وتشبه إلى حد بعيد جدا قصص «ألف ليلة وليلة» وروايات التراث الشعبي الخرافية، التي قرأناها أيام الطفولة والشباب..!

كاتب ومؤلف سعودي «سيهات»