آخر تحديث: 20 / 8 / 2019م - 10:49 م  بتوقيت مكة المكرمة

السيف.. أصدق أنباء من الكتب!

حسين العلق *

.. كانت مطارحة بين الفكر السياسي الحديث الذي تنتهجه الشعوب المتحضرة وبين فقه الكتب العتيقة غير الصالح للإستخدام الآدمي. تلك باختصار كانت فحوى المناظرة التي جمعت الدكتور توفيق السيف، مع رجل الدين السلفي الشيخ عبدالرحمن العبدالكريم على قناة الرسالة مؤخرا. فشتٓان شتٓان بين من يقول ”لكم دينكم ولي دين“، ومن يلزم الآخر بالمنطق الفرعوني ”لا أريكم إلا ما أرى“. ولو شئنا الذهاب أبعد من ذلك، لقلنا أن مداخلات الدكتور السيف التي اتسمت بالهدوء والعمق والوضوح، قد بعثت برسائل عديدة فكرية وسياسية في كل الإتجاهات، نقتبس بعضها هنا.

لعل أولى الرسائل المباشرة التي لا تقبل التأويل، هي رفض د. السيف المنطق الداعشي القائم على الإكراه الديني والسياسي. لقد رأى كل من شاهد المناظرة كم استمات العبدالكريم وبوثوقية منقطعة النظير في اعتبار الإذعان المذهبي للمؤسسة الدينية الرسمية هو الضمانة الوحيدة للمواطنة في السعودية. وهذا بالتحديد ما اعتبره الدكتور السيف منطقا ”داعشيا“ اقصائيا لا ينبغي أن يكون له مكان في دولة حديثة، بل لا مكان له تحت الشمس.

أما ثاني الرسائل فقد قالت بإختصار؛ لقد آن الأوان أن نفصل التوأم السيامي المشوٓه الذي يجمع الدين بالسياسة. فما دخلت السياسة على خط الدين إلا أفسدته، ولا دخل الدين عالم السياسة إلا جاء بالفظائع المشرعنة دينيا، هكذا على مر الزمن كانت سيرة البابوات المسيحية والحاخامات اليهودية والملكيات الإسلامية منذ الف عام، وأحدثها دولة البغدادي الذي يستحق بجدارة أن يكون هولاكو القرن الجديد. كانت رسالة الدكتور السيف في هذا الصدد واضحة وضوح الشمس وهي أن تكون الدولة في موقف محايد إزاء مسألة الدين، وما عليها الا حماية واحترام القيم العليا، دون فرض اجتهادات.

ثالث الرسائل الضمنية التي بعثها الدكتور السيف هي نأيه التام عن الإنجرار نحو الجدل المذهبي الذي أراد الضيف الآخر جره إليه. فقد كان الدكتور السيف واضحا ومباشرا في أن مسألة المواطنة هي مسألة سياسية وقانونية بامتياز. أما الحديث عن مذاهب وأديان الناس سواء السنة أو الشيعة أو أي ملة أخرى فكل ذلك هراء، لا محل له في الدولة الحديثة. في هذه النقطة بالذات كان الدكتور السيف مستفزا في عمقه الفكري وهدوءه وابتساماته الساخرة من تكرر محاولات الآخر مقاطعته وجره للجدل المذهبي. باختصار شديد، مشكلة الشيعة ليست في الذهاب للحسينية، تماما كما أن مشكلة السنة ليست في رضاع الكبير!. رسالة الدكتور السيف ان المواطنة شأن سياسي وينبغي أن يعالج سياسيا، نقطة على السطر!

للجميع الحق في الإختلاف مع الدكتور السيف في هذه المفردة أو تلك، خصوصا وقد أضحى بالنسبة للبعض ”مالئ الدنيا وشاغل الناس“ ‏، غير أن أحدا عاقلا لا أظن أنه يختلف في أن الدكتور كان ولايزال يتقدم الصفوف منافحا عن حق جميع المواطنين دون استثناء، في كل شبر من تراب الوطن، وحقهم في نيل حقوقهم السياسية والدينية والاقتصادية على قدم المساواة. هنا يحق لنا القول، ”السيف“ أصدق أنباء من الكتب.. في حده الحد بين الجد واللعب!

كاتب سعودي