آخر تحديث: 19 / 2 / 2020م - 6:50 م  بتوقيت مكة المكرمة

العمائم تتطاول لكرسي قصير...!

الدكتور محمد المسعود

لا يولى القضاء من يطلبه، ويٌحرم منه من يسعى إليه، لأن الأصل فيه التورع عن غموصه، والوجل من مزالقه، والخوف الواجف من غواياته، أدناها الحكم بالهوى، والتباعد عن خذلان مظلوم، والركون لظالم.

حين يرملٌ بعض المعممين أقدامهم في نيل منصب «رئيس دائرة الأوقاف والمواريث» يتدانى إلى سمعك كلمات الشهيد الكبير السيد محمد باقر الصدر - رحمه الله تعالى - في خطابه لطلبة العلوم الدينية «أيكم جرب أن لا يقتل موسى أبن جعفر لو كان عنده دنيا هارون الرشيد». كان خطابه موجعا، وبادي القسوة حين ذاك.. إذ كيف يطالب الصدرٌ علماء دين ومشايخ بالتدين؟! كيف يقول لهم في وجوههم تعلموا أن تكونوا متدينين..! تعلموا أن تخافوا الله..! لا أن تنقلوا إلى الناس الروايات والأحاديث الحاثة على تقوى الله من قلب فاجر ميت لا يتورع عن الحرام ولا يعف عنه..!.

العمائم تتطاول لنيل هذا الكرسي القصير...!، الطلب له معيب، وخادش، وغير لائق ولا عفيف..! وغير مسبوق في سلوك قضاة المملكة، فلم يعهد أن أحدا غير «هذه العمائم» تقدم بخطاب ذيله بتزكية وتواقيع لوزير العدل أو وزير الداخلية ليطلب في منتهاه ولايته القضاء، أو إرجاعه إليه إن أٌعفي عنه.

إن جهل هذا المعمم «أن من يطلب القضاء يٌحرم منه» فهو ناقص علم، وغير مؤهل لما يطلب. وإن كان يعلم وهو يعض بأسنانه وأضراسه عليه في سبيل إسترجاعه، فهذا سبب مكتمل لعدم حسن الظن فيه. وهو بينة تامة كافية في إبعاده عن ما يٌريد. لقد تأبط طمعا بأموال الناس وشرا بأعراضهم.

كما أن البعض يبحث من خلال هذا الكرسي القصير القامة في صلاحياته وفعله لكي يُعطيه ما ينقصه. دون الإحتفاط بكرامة العمامة ولا بكرامته الشخصية في إمتهانهما بضراعة الطلب والإلحاح المعيب له، والسعي المذل لنيله.

من لا يملك الصبر على عفاف العمامة ورفعتها وشرفها الموروث فعليه أولا أن يكرمها برفعها عن رأسه. ثم ليلقي من كرامته ما شاء أن يلقي، وينزل من عفة نفسه ما تطاوعه نفسه أن ينزل، إنما هو حاطب يجمع لناره، ويجر النار لقرصه. ولا يستأكل بالعمامة، ولا يأكل الناس بالدين، فإن هذا من موجبات سخط الله عليه، وخذلانه له وخزي الدارين.

من حق المجتمع أن يصون مكانة رجال الدين الذين يمثلونه أمام الدولة، ومن حق المجتمع أن يكون له أختيار ورأي فيمن يولى عليه قاضيا عليه.

طلب القضاء أمر مخجل للجميع، وعيب لا يقف عند فاعله، ومهانة للعمامة التي تمثل زهد آل بيت محمد ﷺ وعفة أنفسهم، وطهارة أيديهم، وخيانة لمبدأ الزينية «كونوا لنا زينا ولا تكونوا علينا شينا وكونا لنا وعاظ صامتين وليرى الناس منكم صدق الحديث وأداء الأمانة، وحسن الخلق، إذا قيل ممن الرجل قالوا: أتباع جعفر أبن محمد» و«ويل لمن أستأكل الناس بنا أهل البيت»

العمامة تٌرد إلى تمثيل أهل البيت ، ولذا لا يجوز إعتبار هذا الطلب المعيب لعرض الحياة الدنيا تصرفا فرديا، لأنه يتقدم بصفته ممثلا لطائفة كبيرة من المجتمع. وحين إذ جاز للمجتمع أن يردوه عن دينهم أن تقدمهم هو بقلة ورعه في طلب دنياهم.

إني أشعر بالخجل الواجف من هذه المظاهر المهينة المسكوت عنها إن هذا الإعوجاج مرفوض مهين مذل. وأن من يسعى للقضاء بالشفاعات سعيه، ويغالب في نيله جهده، يٌرد عنه، ويساء الظن به، وإن كبرت عمامته وطالت لحيته.

رحم الله الإمام الصدر كان يقارن بين ممالك هارون الرشيد وبين عدم الورع وقلة التدين.. فلولا حضرنا ليرى هذا الكرسي القصير المنخفض.. الذي أمتهن كثير من المعممين أنفسهم وعمائمهم، ومذهب أهل البيت دونه وللبلاغ إليه، ربما قال بمقالة موسى بن عمران «لا تكن كقبر عليه رخام أبيض ظاهره أبيض أنيق، وفي باطنه عظام الموتى..» ولعله ذكرهم بقول الحسين إلى أهل الكوفة: «إن لم يكن لكم دين، وكنتم لا تخافون يوم المعاد، فكونوا أحرارا في دنياكم».

إن هذا فعل له نصيب كبير من هشاشة الورع، وقلة التدين وطلب الدنيا، وضمور العفاف عن ما في أيدي الناس، وهو كاشف عن مخابئ النفوس التي لا يبلغ الناس حقيقتها إلا برؤية صاحبها يمتهن نفسه، ومذهبه وعمامته، حافيا راجلا وراكبا ومستشفعا في طلب القضاء والولاية عليه.

ان غلبت غشاوة حب الدنيا على الإنسان فقد القلب بصيرته، والعقل رشده. ألا إن حب الدنيا تسكر كسكر الشراب وأكثر، بل هي أكثر سُكرا وعربدة، بعمامة أو بدونها...!

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 5
1
حسين ال يوسف
[ المملكة العربية السعودية القطيف جزيرة تاروت ]: 4 / 3 / 2015م - 3:48 م
الكل يحب ان يطعم أبناءه بالحلال وهذه الوظيفة تعتبر من الوظائف الرسمية في المجتمع واعتقد ان الذين تقدموا اليها انهم يرون في أنفسهم الكفاءة وبرغم من وجود قضاة تمييز وذو كفاءة عالية في نفس المكان والبعض الاخر من أهل التقوى والورع غير متقدمين لمعرفتهم المسبقة برفض المجتمع لهم لان المجتمع يقوم على المحسوبية وليس الكفاءة وان صاحب الكفاءة في هذا المنصب يحتاج الى ان يتأهل لهذا المنصب لسنوات ثم يتم ترسيمه وان من سبقوهم لم يخوضوا التجربة المرة في هذا المكان لان المشاكل تحتاج الى أخصائيين في علم الاجتماع والنفس وأكثر المشاكل ليس فقهية إنما هي اجتماعية وتحتاج توظيف أخصائيين لحل المشاكل وليس القاضي كل شي يعمله ومثال على ذلك ان بعض المشاكل هي أزمة سكن فقط وتم حلها بتوفير سكن جيد ومستقل وبعض مال فقط وشكرا
2
عبد الواحد
[ القطيف ]: 5 / 3 / 2015م - 7:53 ص
كرسي القضاء صار لقمة يطعموها الى كل من يجدوا فيه استعداد وكل من يأكل من هذه اللقم يكون عبد لا يتجرأ على مخالفتهم بعد اللقمة اطعم الفم تستحي العين
3
هاشم
[ القطيف ]: 7 / 3 / 2015م - 8:10 م
قاضي دائرة الأوقاف والمواريث
قاضٍ بلا صلاحيات
مجرد موظف بمسمى قاضي
4
حسين
[ باب الشمال ]: 12 / 3 / 2015م - 2:23 ص
النقذ مطلوب و اﻻخ الكاتب يعي ماذا يقصد و اقول ان اكثر العمايم هي وظيفة و اﻻخرى انهم اميون حوزويا يعني لو تجري لهم اختبار لن ينجح اﻻ القليل
5
سارة
[ الجارودية ]: 15 / 3 / 2015م - 9:30 ص
ليس عيبا أن يمتهن صاحب العمامة منصبا في القضاء ,كمايعمل اصحاب العمائم في المدارس فإذا لم يعمل صاحب العمامة ويبحث عن رزقه ورزق عياله فهل الكاتب سيقوم بقضاء حاجاتهم المادية؟؟
العيب عام سواء من صاحب العمامة, أم من غيره حينما يعمل في القضاء وهويمارس ظلم العباد.
يبدو أن الكاتب متوجه في الطعن إلى شخصية معينة