آخر تحديث: 20 / 8 / 2019م - 10:49 م  بتوقيت مكة المكرمة

أنصار داحس والغبراء!

حسين العلق *

ثمة حقيقة سياسية واضحة للعيان مفادها ان لا حلول حاسمة للنزاعات الطائفية والعرقية بعيدا عن التسويات السياسية المؤلمة غالبا، العقلانية ثانيا، وغير العاطفية ثالثا!. فمن حيث الجوهر، لا تمثل الفئة الحاكمة في لبنان اليوم أكثر من أمراء حرب سابقين تلطخت أيديهم بالدماء! وعلى غرار ذلك تماما وضع حكومة البوسنة والهرسك اليوم، ومع شئ من الاختلاف يكاد ينطبق الأمر ذاته على حكومة جنوب افريقيا ما بعد العنصرية. ولو شئنا المضي في تقديم المزيد من الأمثلة فيمكننا القول ان الحكومات الأفغانية والعراقية ما بعد 2001 و2003 وحتى اليوم هي كذلك ليست أكثر من بوتقة - غير ناجحة - لزعماء المجموعات الطائفية المتعاركة. هنا بالذات يظهر البون الشاسع بين رؤيتين تتنازعان الجماعات المتصارعة عند الحديث عن محاولات الخروج من الأزمات الطاحنة، الأولى عاطفية والأخرى عقلانية، يمكن تلمس ملامحهما في عدة زوايا.

فهناك على الضفة الأولى، أرباب الرؤية العاطفية، وهؤلاء عادة ما يغرقون في تفاصيل الماضي المؤلم للصراع. فلا يكاد ضحايا الصراع يبارحون مخيلتهم، بل لا يرون في أحيان كثيرة حلا أقل من أخذ الثأر لشهدائهم حتى لو طال أمد الصراع على طريقة «داحس والغبراء». هذه الفئة موجودة بين صفوف جميع الأفرقاء المتحاربين دون استثناء، سيما اذا وجد في الجماعة زعماء وأتباع راديكاليون يزايدون على حب وحماية وحقوق الجماعة، هؤلاء لن يترددوا - على وقع التصفيق الحار - في التشكيك والطعن في أي جهة تتبنى رؤية مغايرة لحل النزاع.. حتى لو كانت نتيجة هذه المزايدة والتشكيك سفك المزيد من دماء الجماعة نفسها!

على الضفة الأخرى يقبع هناك أصحاب الرؤية العقلانية ومهندسو الخروج من النزاعات. هذه الفئة لا تأبه في الغالب بالحملات المضادة، بل وتتفهم جيدا نزعات التشكيك البلهاء، حتى لو بلغت حد المطالبة بالحجر عليهم! إذ ان الأكثر أهمية لدى هذه الفئة العقلانية أنها تستشعر على نحو أكبر آلام الحرب والتهجير ومآسي النزاعات الدموية على الأبرياء. من هنا بالذات تنطلق رؤيتهم العقلانية في البحث عن سبل الحل، ووضع حد لسفك الدماء، عوضا عن الغوص في اوحال الصراع والاكتفاء بتقليب أوجاع الماضي.

وعلى النقيض من أرباب النزعة العاطفية التي تقف عند حدود الإنتقام من العدو، ينطلق أصحاب الفكر السياسي من رؤية مستقبلية غايتها تحقيق مصالحة تجنب البلاد والعباد المزيد من المآسي، حتى لو اقتضى الأمر العض على الجراح وتقديم التنازلات المتبادلة، بل ومكافئة وتكريم أمراء وشيوخ الحرب بالمناصب والامتيازات الحكومية كما جرى في حالات المصالحة في لبنان والبوسنة وجنوب افريقيا والعراق وافغانستان، كل ذلك - بطبيعة الحال - ليس حبا في مجرمي الحرب أنفسهم ولا لأجل سواد عيونهم - كما يتصور بعض البسطاء - بل هو باختصار لأجل حفظ وحماية أرواح عامة الناس الذين تطحنهم الحروب العبثية دون رحمة، هذا ما يتفق عليه كل وسطاء السلام في العالم، أفلا يستحق الأمر ذلك؟!.

في لبنان استغرق الأمر 16 عاما، حتى وضعت الحرب أوزارها نتيجة اتفاق الطائف 1990 الذي جمع «مجرمي» الحرب على كراسي الحكومة! وفي البوسنة تقاتل الأفرقاء الصرب والكروات والمسلمون سنين عجاف ولم تغمد السيوف حتى جاء اتفاق دايتون عام 1995 ليجد جميع المتصارعين - وبينهم مجرمو حرب أيضا - في حكومة واحدة «معززين مكرمين». أما في جنوب أفريقيا فالحال أسوأ بكثير فقد إمتد الصراع إلى مئات السنين بين أقلية بيضاء حاكمة وشعب ذي غالبية سوداء، لينتهى أخيرا إلى حكومة شراكة جمعت الأبيض الظالم والأسود المظلوم!.

وكما هو واضح فإن المشترك الوحيد بين تلك الساحات هو أن الأطراف المتقاتلة - المعتدية والمعتدي عليها - لم تجد بدا من الجلوس إلى طاولة واحدة جمعت المجرمين والضحايا، والحق ان جميعهم كانوا، بدرجة وأخرى، مجرمون وضحايا في الوقت عينه، هكذا - غالبا - ما تنتهي الكثير من النزاعات!.

ثمة درس أخير ينبغي أن نخلص اليه هنا، وهو أن صوت العقل الذي يبحث عن حل للخروج من الأزمات الطاحنة، غالبا ما يبدو ضعيفا ومحاصرا بل ومحل استهزاء من قبل العوام، لأنه يقوم على تبادل التنازلات المؤلمة والبحث عن منطقة وسط مع الأفرقاء الآخرين. وعلى العكس من ذلك يرافق الصخب الأصوات التي تحركها العواطف والآلام وصرخات الثأر والانتقام، حتى لو لم تقدم حلا ولا تنقذ طفلا ولا شيخا واحدا من موت مجاني.

ان دروس التاريخ الحديث أثبتت المرة تلو الأخرى أن للعقل السياسي البارد وحده الكلمة الفصل في اخماد النزاعات الدموية، أما نزعات «داحس والغبراء» فلن تقدم سوى المزيد من الدموع والدماء والموت والدمار.

هنا يتجلى الموقف السياسي النبوي الرائع لحظة العفو عن عتاة القتلة بقوله ﷺ «اذهبوا فأنتم الطلقاء..». يحيا العقل!

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 3
1
حسين ال يوسف
[ القطيف ]: 15 / 3 / 2015م - 7:29 م
داحس والغبراء هذه قبائل في الجاهلية ولكن داحس والغبراء تختلف في القرن الواحد والعشرون امام الامم المتحدة والهيئات الدولية التي تتربص بناء شر ولا خير فان القنابل التي ترمى على الشعب العراقي باسم الحرب على الإرهاب وتقتل الأبرياء فأيهما الإرهابي الذي يقتل الأبرياء من الجو ام الذي على الارض كذلك يقاتل فان هذة الفتنة المستفيدة منها الغرب والدليل كل نداء للتصالح انظر كيف تشن عليه حملة من القوى المستفيدة فان الحل ليس بالمدفعية وشن الهجمات فان العقل والسياسة هي الحل ام مايطرحوها الآخرين باسم الدين فان الحرب في سوريا هل هي دين ام هي سياسة الذي تم التدخل فيها كل القوى الدولية التي تبحث عن الخراب في هذا البلد الذي أتذكر ارضه التي في طفولتي عشت أحلى ايام طفولتي هي والعراق التي تجبرة عليه قوى الحزبية ??
2
زكريا عون
16 / 3 / 2015م - 12:07 ص
اظن ان المقال يوجد فيه مفارقة كبيرة ولعل الكاتب يحاول ترقيع رؤية احد السياسين عندما صرح بتكريم احد مجرمين الحرب هو مطلوب لدى العدالة في بلده فلا ادري كيف بقبول تكريم انسان متوحش ملطخة يده بدماء شهداء ابرياء و يتفق على وحشيته ودمويته اغلب اطياف الشعب اذن هي ليست سداجة او بساطة في التفكير عندما يطالبوا بمحاكمته لان امرا عقلانيا ، والعقلاء لم يطالبوا بالثأر من طائفة ذاك المجرم وانما طالبوا بما ادار هذه الحرب الطائفية الفتنوية الدموية باسم الدين ، امل من الاخ الكاتب ان يطرح رايه وهذا حق مشروع له ولكن لا يحق له تسخيف اراء الاخرين وارجاع تفكيرهم الى عقلية من لا عقل لهم وكانما يقول نحن العقلاء وانتم الاغبياء او من لم يكن معنا فهو ضدنا اعتقد الكل تجاوز هذه المرحلة وزمن الترقيع ايضا انتهاء . تحياتي
3
علي احمد الرضي
[ سيهات ]: 16 / 3 / 2015م - 8:46 ص
لا اختلاف على فحوى الرسالة ولكن اذا لا مناص من هكذا خاتمة، فالأولى التعامل والتمهيد العقلاني مع أصحاب العاطفة.
كاتب سعودي