آخر تحديث: 17 / 2 / 2020م - 10:40 ص  بتوقيت مكة المكرمة

الصهاينة و«الدواعش».. أوجه التطابق

الدكتور محمد المسعود صحيفة الاقتصادية

في البدء نجد في التوراة - المحرفة - أن كل غير يهودي هو عدو لليهود يجوز قتله، وتنتهك نساؤه، وأن كلا من القتل والاستباحة مما يتقرب به إلى الله تعالى، ويحبه، ويأمر به. وهو فريضة دينية لليهود فيمن يخالفهم دينهم!

و”داعش“ اللا إسلامية لم تتباعد قيد أنملة واحدة عن هذا الاعتقاد وفعله، فحين يقول الله  عز وجل: ”لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين“. ويأمر بالتي هي أحسن حتى في الحديث والجدل ”ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون“. وهي صريحة في جعل الإسلام هو التسليم لله الواحد الذي يمثل دعوة إبراهيم ”ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا“. وهو دين الأنبياء جميعا ”أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون“. ”أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين“. و”بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن“. وإن الله وعد الثواب والعدل والرحمة لمن عمل صالحا وقد أسلم وجهه إليه وقصد رضاه وقربه. ”فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض“. وأما آيات الكفر فتأتي بمعنى تعمد ستر الحق بعد بلاغه، وبعد إقامة الحجة عليه، ”وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا“ يظهر الحق ويبلغه ويتم الحجة على العبد.

ونجد التطابق بين ”داعش“ والفكر الصهيوني في جعل القربى لله بقتل المخالف لهم، وفي متعة القتل، وبهجة التعذيب السادي المرضي، وهذا ما لا تتركه ”داعش“ يوميا، كان آخرها حرق الأحياء، وتقطيع الأطراف حتى الموت، ودفن الجرحى أحياء، والقتل بالطرق التي لا يعرفها حتى الشيطان الرجيم.

وكما أن الصهاينة يسقطون على كل أفعالهم نصا دينيا أو حدثا تاريخيا، نجد ”داعش“ تمارس الفعل ذاته تماما فهي تنتحل من التاريخ ومن الشريعة ومن كتاب الله نصوصا في غير سياقها، أو تعمد طمس دلالتها الجلية الواضحة، وذلك لأن المسيحيين كانوا من لدن المسيح عيسى ابن مريم وهم في الشرق، وأن الخلفاء، وحضارة الإسلام، وحكامه، عبر التاريخ كله كانوا لهم أخوة في أوطانهم، بل كان المسلمون يولونهم الوزارات ذات الأهمية القصوى، كالولاية على بيت مال المسلمين، وكان الحاكم المسلم وكبار الفقهاء، يأتمنونهم على أرواحهم في الاستطباب. وما ذاك إلا لعظيم الثقة والاطمئنان إليهم. ولذا عبرت كنائسهم الزمن، لم يهدمها أحد من الخلفاء ولا الصالحون من بعدهم، حتى هدمها ”الدواعش“ لهدف سياسي وليس دينيا.

الصهيونية العالمية كررت للعالم تزييف شعب بلا أرض لأرض بلا شعب يقصدون بها ”فلسطين“، ولذا هي تعمد إلى الإبادة العرقية والتطهير العرقي، وجرف كل حجر وشجر له جذر تاريخي بفلسطين وأهلها، والشرق بعمومه، وكان من الأهداف الاستراتيجية للحركة الصهيونية هي هدم كل التراث العربي والإسلامي، وطمس التاريخ، وهدم المعالم الحضارية في مهد الديانات السماوية، والحضارة البشرية بعمومها.

من أجل إقامة تاريخ جديد بدأت فعلا الجامعات الأمريكية والصهيونية تسويقه عالميا، من خلال تكوين تاريخ عبراني وأثار تشي أن الوجود في الشرق هو لليهود خالصا لهم، وأن العرب قوم بادية يسرحون خلف ناقة، من رمل إلى رمل، بلا حضارة باقية، ولا أثر يشير.

وهذا ما تتكفل بثبات صورته قنوات الناقة الشاردة، ورجال وسيارات فارهة خلفها شاردون!

تعمد ”داعش“ كهدف استراتيجي لها أن تهدم حتى المساجد التاريخية ونسفها بالكامل، وتعمد نسف حتى الجبال التي نحت فيها إنسان الشرق حضارته يأتمن جبالها تاريخه ومعارفه وعلمه، مؤثرا توثيق زمانه، وعمقه فيه، وهذا ما لا يمكن أن تسمح به الصهيونية التي تقوم ”داعش“ بتنفيذ مشروعها حرفيا.