آخر تحديث: 26 / 9 / 2020م - 3:40 م  بتوقيت مكة المكرمة

كتابة حياة المكان

الدكتور محمد المسعود صحيفة الاقتصادية

 اليونسكو  منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة  التي تتألف من 193 دولة عضوا. تختار - أديبا - مشهورا، وتستضيفه في واحدة من المدن التي تختارها هي وتكون وظيفته فقط أن يعيش في المكان، وأن يمتصه، وأن يحسن جني تفاصيله المنسابة حوله، بوصفه إنسانا يمتلك القدرة على الفهم والشعور وتخليد المكان بالجمال الذي يستحقه، وبالقدر الذي يميزه ويجلي حقيقته!

لا يفرض على الأديب أن يكتب بطريقة محددة، وليس فريضة يؤديها في أجل ينتهي عنده، هم حريصون على انسياب المكان إلى ذاته ونفسه ثم ليختار هو الوسيلة التي يراها مناسبة في وصف المكان بما يجعل له حياة قادرة على أن تبقى.. فالجمال صفة ذاتية لكل شيء، والأديب وظيفته أن يضاعف من الإحساس بهذا الجمال وأن يرفع النفوس والوعي إليه.

رواية المكان هي استبقاء تفاصيله الصغيرة فيه، رسمه بالكلمات القادرة على جعله خلودا باقيا، حين عاتب بعضهم سيف الدولة الحمداني لعظيم عطاياه للمتنبي بعد كل قصيدة.. قال نحن ذاهبون جميعا وشعره وحده الخالد الباقي الذي سيرويه التاريخ ويذخره الزمان لنا.

وقد صدق ذهبت دنانيره الصفراء والبيضاء، وذهب المتنبي قتيلا ومنهوبا، وذهب الحمداني بعده بزمن طويل.. كل شيء اندرس وذهب وانقضى وظلت كلمات المتنبي وشعره يطوي السنين بأصابعه الخالدة.

بهذا نحن كسعوديين أشد الناس زهدا في كتابة الأمكنة وأقل الناس وعيا بضرورة كتابة المكان بوصفه حياة جامعة لتفاصيل كثيرة لا تنتهي ولا تتكرر.

وهي في صيرورة لا تردها عن نفسها ولا تستطيع أن تمانع التحول والتبدل والزوال فيها. جدة القديمة شحيحة المكان تقبض على ما اندرس منها، وتسعى بخجل إلى استبقاء المندثر المهمل من ماضيها، شحيحة تلك الشبابيك المطلة من زمن عتيق. الكاتبة الكبيرة  رجاء عالم  في رواية طوق الحمام  قبضت على ما استطاعت ونثرت ما كان بالوسع نثره من أروقة مكة، وحواريها الضيقة التي يتراكم فيها من كل شيء بقية كانت مرهفة الحس وهي ترويها. والأديب الكبير الدكتور عبدالله مناع  كتب جدة الزمان والمكان. فيما أبصر وفيما أدركه الحس، وأحاط بتفاصيله قلبه ووعيه.

بهذا ينجلي تقصير وزارة الثقافة والإعلام الكبير في إنتاج أدب المكان  الذي لا يمكن تصور رواية تامة للتاريخ دونه، لا يمكن فهم انسياق الوقائع والأحداث إذا تجرد منه.

الأمكنة التي تصنع النفس وتكون طبيعتها، صعودا وهبوطا، سهولا تنخفض إليها، وجبالا ترتقيها، الأديب يجلي عن الأبصار غشاوتها، يضيء ظلمتها، يستنطق الصامت من حياتها، يسقيها حتى ترتوي بالحضور، وهو فعل أدباء الأمكنة، الذين نسميهم نحن الرحالة كمحمد بن عبدالله اللواتي الطنجي  ابن بطوطة  703  779 هـ  الملقب بأمير الرحالين المسلمين الذي كان يكتب عن الأمكنة بوصفها علما ضروريا للتاريخ ”تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار“. والعالم الشريف الإدريسي  محمد بن محمد بن إدريس  أحد كبار الجغرافيين في التاريخ. وقد رسم خريطة العالم بما تتطابق مع ما هي عليه الآن. 559 هـ ، وابن جبير الأندلسي محمد بن أحمد الكناني. وأحمد بن فضلان البغدادي. وأحمد بن ماجد النجدي 821 هـ . وكثير غيرهم.

كان توثيق شخصية المكان بما فيه، وكما يعيشه الناس، ووصف الناس بما هم عليه، بهمومهم الصغيرة، ومتاعبهم الكبيرة. بالرجاء المعلق.. وباليأس الحاضر.. هذا ما تنتدب اليونسكو كبار الأدباء لتوثيقه وتخليده والكتابة عنه، وهو ذاته ما تزهد فيه وزارة الثقافة السعودية وتشيح بوجهها الكريم عنه، وكأنها ليست معنية بتأصيل تاريخ الحاضر الذي يتصرم كل يوم منا ليصبح تاريخا لا أثر له محفوظ، ولا رواية مكتملة الحس والشعور والعقل تروى.