آخر تحديث: 29 / 11 / 2020م - 11:31 م

الحلاقة وحرية الصحافة

علي جعفر الشريمي * صحيفة الوطن

في صالونات الحلاقة تذوب كل الفوارق العنصرية، ويكون الجميع سواسية أمام المقص، بصرف النظر عن الدين أو المذهب أو العرق أو اللون أو اللغة

قبل أيام دخلت كعادتي إلى صالون الحلاقة، ولا أخفيكم أني أكره الجلوس على كرسي الحلاق، خاصة أن كثيرا من الحلاقين يسلون أنفسهم بالأحاديث و”طق الحنك“، فتجد حلاقا يتحول تارة إلى محلل سياسي، وتارة يتقمص دور الأخصائي النفسي والاجتماعي، فيحلل نفسيتك ويقيم سلوكك ومواقفك من خلال النصائح التي يمطرك بها وهو يقطع أوصال شعرك، المهم بمجرد دخولي الصالون استقبلني الحلاق ”أبو حسن“ وقال: لا تقل لي إنك مستعجل، قلت له: والله يا أبو حسن مشغول جدا بكتابة مقالة الأسبوع. فسألني على الفور: ماذا ستكتب هذا الأسبوع؟ أجبته بأني سأكتب عن اليوم العالمي لحرية الصحافة الذي يوافق الثالث من مايو، فقال لي: لماذا لا تكتب عن حرية الحلاقة؟! فضحكت، ثم قال لي: مع الأسف الشديد أنك صحفي وتتحدث عن حقوق الإنسان ولم تسأل نفسك يوما عن حق الذهاب إلى الحلاق.

تدخل صالون الحلاقة وتخرج منه دون أن تعرف فلسفة حلاقة الشعر! ثم يكمل.. من واجبك كصحفي حر ونزيه أن تستثمر هذه المناسبة في الحديث عن الحلاقة.. فسألته: ما هي حرية الحلاقة؟ فأجاب:

في صالونات الحلاقة تذوب كل الفوارق العنصرية، ويكون الجميع سواسية أمام المقص، بصرف النظر عن الدين أو المذهب أو العرق أو اللون أو اللغة، هنا على هذا الكرسي لا نفرق بين سني وشيعي بين ليبرالي وإسلامي، بين قبلي وحضري، بين غني وفقير، بين يميني ويساري، اليساري أقول له حرك رأسك لليمين يحركه دون اعتراض، واليميني يحرك رأسه لليسار، هنا على هذا الكرسي تتحقق العدالة الإنسانية!

فقلت له والله يا أبو حسن أول مرة أسمع بعدالة المقص.. في هذه الأثناء، وضع يديه على كتفي بكل ثقة وقال: مقص الحلاق له دور جوهري في حياة الأمة، فهذا المقص ليس الهدف منه قطع أوصال الشعر فقط، بل المسألة أعمق من ذلك بكثير، هذا المقص الذي أحمله في يدي له مزايا عظيمة لا تدركها إلا عندما تقارنه بغيره من المقصات. فمقص الرقيب في الإعلام مثلا ينتف ريش صفحات الصحف إضافة إلى الكتب والمجلات ولقطات من الأفلام والمسلسلات، خذ مثلا مقص الأخطاء الطبية إذ دائما ما ينساه الجراح داخل أحشاء المريض فيموت بسببه، أما مقص الحلاق فيجعل الإنسان بعد الحلاقة غيره قبلها، إذ يبدأ الحلاق بسماع التحية من زبون يتصرف باتزان طالما أنه سيسلم رأسه للمقص وينتهي بعبارة ”نعيما“ وجواب الزبون: ”الله ينعم عليك“ فيخرج الآدمي من الصالون أكثر نشاطا وانفتاحا على الحياة.

سألته: هل لديك مطالب؟ قال: لو بيدي لعملت مناهج عن تاريخ الحلاقة في بلاد العربان نوصل فيها رسالة للناشئة هي ”من لا ماضي له فلا مستقبل له“.

وفي النهاية قمت من الكرسي ووعدته أني سأنقل كلامه في الصحيفة.

وختاما، بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة وبما يمليه علي ضميري المهني والإنساني أرفع عقالي وشماغي وطاقيتي إلى كل الحلاقين الأحرار في هذا العالم الواسع.. حقا إنه المقص الساحر بفكيه الذي حقق فلسفة العدالة والمساواة في كامل أبعادها، ونتمنى الحرية لكل المقصات الأخرى على اختلاف تخصصاتها.