آخر تحديث: 26 / 9 / 2020م - 3:37 م  بتوقيت مكة المكرمة

للرجوع حبا يتسع

الدكتور محمد المسعود صحيفة الاقتصادية

الذي كنت أعرفه عن المديرية العامة لمكافحة المخدرات، هو تلك الصورة التي نعرفها جميعا، هي الثغر العظيم، هذا الرباط المسكون بالشرف العظيم، والنبل الرفيع، هنا جهاد يترفع عن سطوة القدرة، والتخطيط، من منظمات عالمية عوائدها تفوق تجارة النفط والغاز في العالم، حيث يبلغ حجم عوائدها السنوية أكثر من تريليون دولار! وبقدرات تفوق إمكانات الدول الغنية قبل الفقيرة، القوية قبل الضعيفة. والقادرة قبل العاجزة.

ومع اختزال المشهد وتكثيف الرؤية، نجد أن الدول الأكثر نموا في الاقتصاد هي الأكثر رغبة من قبل تجار المخدرات في العالم. وهي التي تستهدف بشكل حقيقي، وبكل الوسائل التي لا يمكن للعقل أن يتصورها، وبقدرات مالية قادرة على التمكين وإخضاع الوسائل والوسائط. إلا زبر الحديد الذي لم ينصهر، ولم يذاب، ولم يلن، وتطالب بممانعة الملائكة من رجس إبليس، هم هؤلاء المرابطون بيقظتهم، وبصيرتهم، وعقولهم وبذل أنفسهم وأرواحهم إن استثارت بطولة، هم شهداء ثائرون في كل لحظة، وعند كل واجب، شهداء أعمق مساحة للطهر فيهم أنهم صامتون، باذلون أرواحهم، كقربان إبراهيم الخليل، استجابة لدعواته الطاهرة، ”رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام“.

هي أرواح طاهرة ترتفع على كل هضبة، وتنحدر مع مجاري اليقظة والرصد البصير، يحيطون جيلا بأسره برعايتهم الحنونة هذه، دون تملق راجف، ولا احترام يظهر أحيانا وكأنه احترام مذعور مرتجف، لا يتصف بيقين، ولا يستقر على صدق.

تلك الصورة في عقلي، ترسخ فيها هذا البعد المغيب الخصيب الجديد، إن للرجوع حبا يتسع لصاحبه، حتى يغمره الجلال وعظيم التوقير.

لعلها ظاهرة فريدة عالميا، تستجلب الحكمة الرحيمة بغمر التائب من التعاطي، بغمرات التوقير والاحترام، بوصفه غائبا عاد إلى أهله بذات الشوق إليه، بذات الحب لحضوره الذي فقد، بذات اللهفة لئلا يكرر الغياب مرة أخرى!، هذا الملتقي الذي تشرفت بحضوره، وهو ملتقى سنوي، ليس له من وظيفة أكثر من التعبير عن الحب، والتقدير، وتفقد العوز للخيرين الذين رجعوا إلينا بطهر التائب الذي لا يعير بذنبه، وبطهر التائب الذي يحبه الله ونحبه.

المعصية كرهناها فيه، ولم نكرهه، هو في نفسه، ولا في ذاته. هكذا قال اللواء أحمد سعدي الزهراني المدير العام لمكافحة المخدرات في المملكة، وهو متحمس للعقوبة الإيجابية، ويندفع بقوة نحوها، يريد ألا يترك العائدين في منتصف الطريق، وتريد هذه الفكرة التي أسس تكوينها فقيد الوطن الكبير الأمير نايف بن عبدالعزيز  رحمه الله . أن يظل التائب في رعاية من يخشى عليه أن يعود، ومن يشفق عليه أن تنقطع عنه السبل فيضعف، أو أن ترديه نظرة الاحتقار والرفض فيتردى تارة أخرى..

هنا يحضر أمير المنطقة الشرقية بنفسه، ليكرم الطاهرين بعد ذنب تلبسهم، وأصابهم منه نصب وعذاب، جاء الشيخ الدكتور سعد البريك لتتسع دائرة الحب، جاء عشرات من خيرة الخيرين للتكريم والدعم، وإتاحة فرص الوظيفة، والكسب الحلال، جاء العميد عبدالله بن مشعان البدراني المدير العام المديرية العامة لمكافحة المخدرات في المنطقة الشرقية وكبار المسؤولين والموظفين.

المخدرات الضحية هذه الظلمة السادرة في كثافتها ونتائجها هنا ضوء خفيف يستقوي بولادة أمل جديد، وكتابة حياة جديدة، وقصة مختلفة، من خلال هذا الوعي الفريد للرجوع.

حبا يتسع له، يكون الجميع أجزاءه المتناثرة، بمد يعقبه مد أرق منه، على ساحل مبسوط من الشرف الرفيع، لرجال المكافحة الذين يحاربون السوس قبل أن يفسد زغب الربيع قبل أن تتفتح براعمه.